الأحد، 1 نوفمبر، 2009

هارولد بنتر - ربما يشيخ الموت

هارولد بنتر
ترجمة عبود الجابري


ربما يشيخ الموت
"ربما يشيخ الموت
لكنه يحتفظ بنفوذه
ويقوى على نزع سلاحك بنوره الباهر
ماكر
بحيث لاتعرف أين ينتظرك
ليلوي عزيمتك
ويعريك
كما لو أنك متأهب للقتل
لكنه يسمح لك بترتيب ساعاتك
بينما يقوم بامتصاص رحيق زهرتك الجميلة "
ربما يشيخ الموت
هارولد بنتر
ترجمة عبود الجابري
في عام 1958 كتبت السطور التالية:
(( لايوجد فرق ملموس بين ماهو حقيقي وماهو غير حقيقي ، ولابين ماهو صادق وماهو زائف. اذ ليس ضروريا أن يكون الشيء اما صادقا او زائفا ، بل يمكن أن يكون صادقا وزائفا في الوقت نفسه ))
مازال هذا الكلام في اعتقادي صحيحا ، فيما يتعلق باستكشاف الواقع في الفن ، وما زلت اتبناه من موقعي ككاتب ، اما من موقعي كمواطن فلا يمكنني قبوله ، ذلك لان من واجبي كمواطن أن اسال ماهو الحقيقي ؟ وماهو الزائف ..
تلك هي هي كلمات ( هارولد بنتر ) في متن خطابه الذي كتبه ليذاع عشية تكريمه في الاكاديمية السويدية لمناسبة فوزه بجائزة نوبل للآداب عام 2005 ، ذلك الخطاب الذي لم يتمكن من القاءه في ذروة صراعه مع سرطان المريء، فتم عرضه متلفزا . وقد تباينت ردود الافعال حول ماهية الخطاب ، حيث رأت الاكاديمية السويدية أن الخطاب ليس مكتوبا لكي يقرأ في حفل تكريم على غرار احتفالات نوبل وأن – هارولد بنتر - مازال يتخذ المنهج ذاته في تغليب السياسي على الأدبي حتى في اشد المناسبات احتفاء بالأدب وأن الخطاب أخذ شكل البيان السياسي بدلا من أن يكون خطابا أدبيا ، بينما رأى فيه العامة لسان حالهم الذي عبر عما كانوا يريدون قوله في مرحلة كانت القوة العسكرية فيصلا في جميع المحافل، وأن الاكاديمية السويدية قد استعادت رشدها وأن لمرة واحدة حين كرمت كاتبا معارضا مثل ( هارولد بنتر ) ، فيما استغل خصوم ( بنتر ) المناسبة للحديث عن أن الاكاديمية ولدوافع بعيدة عن الأدب قامت بمنحه الجائزة لعلها تخفف من غلواءه.
( هارولد بنتر) الذي حقق نجاحا عالميا كواحد من الكتاب الدراميين في مرحلة مابعد الحرب العالمية الثانية ، وقد جنح بنصوصه المسرحية الى استعمال الصمت
لاستدراج التوتر ، الصمت الذي يؤجج مشاركة المتلقي في توقع ما سيحدث ، كذلك
فانه كان يؤمن بان اللغة ليست اداة للتواصل فحسب ، وانما سلاح الذين يخضعون
للتهديد والابتزاز ، وقد كانت مواضيع التهديد والنزاعات العائلية والشك والغيرة ثيمة اساسية في نصوصه التي تذكي الصراع من اجل البقاء في حيوات ابطاله .
يقول ( بنتر ) ( لا اعرف كيفية تأثير الموسيقى في الكتابة ، فهي شديدة الأهمية بالنسبة لي ، كلا النوعين : الجاز والموسيقى الكلاسيكية ، ينتابني شعور بانسيابية الموسيقى اثناء الكتابة الأمر الذي يختلف كليا عن التأثر بها ).
( بنتر ) المولود في حي هاكني اللندني الشعبي لأبوين يهوديين ، ابن الخياط الذي كان أكثر ميلا لأمه بسبب صرامة ابيه الشديدة ، كان قد اجلي مع مجموعة من الصبيان الى قلعة في مقاطعة كورن وول الجنوبية ابان الحرب العالمية الثانية ، وهي ذكرى مؤلمة لاتفارق ذاكرته حيث مشاهد القصف اليومي وحنينه الى ابويه اللذين انتزع من بينهما .
درس في مدرسة هاكني داونز للقواعد وكان الادب الانجليزي محور اهتمامه ولاسيما الشعر، كما قرأ حينذاك اعمال كافكا وهمينغواي ، وقد اضطر لترك الدراسة في الأكاديمية الملكية للفنون المسرحية عام 1949 بسبب معارضته الانخراط في الجيش لأداء الخدمة العسكرية ، الأمر الذي قاده الى محاكمات انتهت بالاكتفاء بفرض غرامة مالية عليه (( كنت سأودع السجن ، وكنت اجلب معي فرشاة اسناني متوقعا أن يحكم علي بالسجن ، غير أن القاضي ابدى قليلا من التعاطف معي واكتفى بتغريمي ثلاثين باوندا ، ربما ستتم دعوتي الى الخدمة في الحرب القادمة ، لكنني لن اذهب ابدا )).
بدأ ( بنتر ) بنشر قصائده باسم مستعار هو ( هارولد بنتا) في مجلة الشعر اللندنية ، وعمل ممثلا ثانويا في الاذاعة البريطانية وقد درس أيضا لفترة قصيرة في المدرسة المركزية للألقاء والدراما ، وانضم الى فرقة شكسبيريانز التي تجولت في ايرلندا مدة عامين 1951- 1952 عارضة اعمالها هناك .
( الغرفة ) 1957 كانت اولى اعماله التي كتبها لفرقة جامعة بريستول وقد فرغ من كتابتها في غضون اربعة ايام ، وكانت ( ألم خفيف ) اولى اعماله الاذاعية التي اذيعت عبر الاذاعة البريطانية عام 1959 تلتها مسرحية ( حفلة عيد الميلاد ) التي عززت شهرته من خلال عاصفة من اللقاءات التي اجريت معه والعروض النقدية التي نشرت حولها آنذاك .ورغم العدائية التي اتسمت بها كتابات النقاد وقتذاك الا ان بنتر استمر في تعزيز شهرته ونجاحاته من خلال العديد من الأعمال المسرحية ابرزها (الناظر ) و ( النادل الغبي ) و ( العودة الى الوطن ) و ( القزم )
و( منظر طبيعي ) .
بعد عقود من النجاح المستمر قال ( بنتر ) عن النقاد ( بشكل عام فأني ارى ان النقاد باقة جميلة من البشر لا أهمية لها ، فنحن لا نحتاج من النقاد أن يخبروا المشاهدين بماذا يفكرون ) .
منذ السبعينات تحول ( بنتر ) الى الاخراج المسرحي وكتابة السيناريو ولعل اشهر اعماله في السيناريو رائعة مارسيل بروست ( البحث عن الزمن الضائع ) عام1977 .
منح ( بنتر ) العديد من الجوائز ابرزها جائزة الدب الفضي في مهرجان برلين السينمائي وجائزة البافتا والسعفة الذهبية في مهرجان كان السينمائي عام 1971
وجائزة الكومنولث .
تزوج ( بنتر ) من الممثلة ( فيفيان ميرجنت ) وعاشا فترة في حي ( موتنج هيل ) الفقير ، ورغم تصريحاته حول عدم قيامه بالكتابة لممثل بعينه الا أن زوجته ( فيفيان ) بدأت بالظهور تدريجيا في اعماله المسرحية ، وبعد انفصالهما تزوج من الكاتبة البريطانية ( ليدي انتونيا فريزر ) وقد توفيت زوجته الأولى عام 1982.
منذ الأنقلاب الذي اطاح بالرئيس التشيلي ( سلفادور الليندي ) عام 1973 بدأ ( بنتر ) العمل في مجال حقوق الانسان معارضا لسياسات الحكومتين الأمريكية والبريطانية ، وكانت اراؤه مثيرة للجدل على الدوام ، وقد اعلن استنكاره لتدخل حلف الناتو في أزمة كوسوفو قائلا أن ذلك( يفاقم المأساة ويزرع الرعب في قلوب الابرياء ويدمر البلاد ( وكان كذلك ضمن اللجنة الدولية التي تشكلت للدفاع عن الرئيس( سلوبودان ميلوسوفيتش ) وضمت في عضويتها المحامي الامريكي ( رامزي كلارك ) ، وكان كذلك من ابرز الكتاب الذين اعلنوا معارضتهم وتنديدهم بالحرب على العراق ساخرا من تسميتها ( حربا وقائية ) ومن الرئيس بوش :
( لقد قال بوش انه لن يدع اخطر انواع السلاح في ايدي اسوا القادة في العالم ، ذلك صحيح ايها الرفيق ، فلم لاتنظر في المرآة لترى نفسك ؟؟ )
عام 2005 اعلن ( بنتر ) اعتزاله الكتابة وتفرغه للعمل السياسي قائلا : لقد قمت بكتابة تسع وعشرين عملا مسرحيا ، ألا يكفي ذلك ؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق