السبت، 1 مايو، 2010

خلدون عبد اللطيف : يتوكأ على عماه هدنة مع الذات والأمكنة

خلدون عبد اللطيف : يتوكأ على عماه هدنة مع الذات والأمكنة / القدس العربي

خلدون عبد اللطيف
4/23/2010


بعدَ ' فهرس الأَخطاء' الصادرة عن دار أزمنة عام 2007، صَدَرت للشاعر العراقي عبود الجابري عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر نهاية العام 2009 ثاني مجاميعه الشعرية تحتَ عنوان ' يتوكَّأ على عماه'.
الجابري في مجموعتهِ الجديدة يَنحى غالباً باتجاهِ إِنتاجِ قصيدةٍ مُكثَّفةٍ لا تخلو من تَوهُّج وومضات خاطفة، فاتحةً الأبوابَ على مصراعيها للتأويل والتَّرسُّبِ تدريجياً وتلقائياً في قرار الذائقة والشعور، من خلال مقاطع قصيرةٍ لكنَّها مُنتظمَة ضمنَ نصوص مستقلة ومتفاوتة من حيث الطُّول، ومندرجة تحت عناوين شاملة وذات دلالة عامة، بحيث يغدو العنوان في كلِّ نصّ بؤرةً مُرَكَّزةً لانطلاقِ القَصيدة، ومحوراً ثابتاً تدورُ في فلكِهِ تلك المقاطعُ القصيرة، دونَ أن يلغي ذلك خلوَّها من شعرية عالية ومشهدية صارمة أيضاً، فَضاؤها لا محدود وأسوارها التجريدية عالية، لكنَّها رغم هذا وذاك غيرُ منفصلةٍ عن الأرض بقدر ما تُعامِدُها في نقطةٍ لا يَصلحُ فيها إلا ولادَةُ الشِّعر. هنا تكمنُ أهميةُ العنوان لدى الجابري باعتباره المُمَهِّدَ لدخولِ عالم النَّصِّ/ المتن الشِّعري، والمؤثِّر الأوَّل في خلق تأويلات سابقة على قراءة ذلك النَّص، بحيث تتأكَّد أو تنتفي هذه التأويلات عند الانتهاء من فِعلِ القراءة.
عنوانُ المجموعة ' يتوكَّأ على عَماه' الذي يُحيل إلى الآية الكريمة من سورة طه ' وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآَرِبُ أُخْرَى' هو بمثابة إعلان صريحٍ من الجابري عن تَعطيلهِ للبَصَر القاصِرِ عن فِعلِ الرؤية، في حين يُصبحُ العَمى/ الضدُّ وسيلتهُ لاجتراحِ البصيرة وإزاحةِ الظلام، وصولاً إلى رؤية ما لا يُرى ' وإذْ قلُتُ له / ما ذلك بمرآتك؟؟/ قال: هو عماي/ أتوكأ عليه / وأهشُّ به على ما أرى/ من الظلام...'
يَكتبُ الجابري عدداً لا بأسَ به من قصائد مجموعتهِ مُستَفيداً من شعر ' الهايكو' الياباني و' فنِّ التوقيعات' الذي عُرفَ بشكلٍ خاص في العصر العباسي وصولاً إلى ما أطلق عليها قَصيدة التوقيعات أو الهوامش، والتي أخَذَت طريقها إلى الانتشار عربياً بدءاً من ستينات القرن الماضي، فهو يُؤثِّثُ قصائدَهُ بتؤدةٍ وانهماكٍ وفق هندسة شعرية ولغوية مضبوطة، وخلوٍ من الحشو إلى درجة الاقتصاد، بِقَدرِ ما تتطلبه هكذا كتابة شعرية من كثافة وإيجاز ونبرة إيقاعية متوترة، على الرغم من كونها ملغومة بالمقولات ومفتوحة على التأويل، إضافةً احتوائها على دفقات من العبث والسخرية اللاذعة، وإمكانية التقاطها في بعض الأحيان من قصائد طويلة أو متوسطة الطول، كما في قوله: ' طرق الباب/ ونام عند العتبة/ منتظرا من لا يفتح له'. لكنَّ شظايا الجابري الشعرية ليست متناثرة بعشوائية، إِنَّما تُقرَأُ كُلاً واحداً كونها مزروعة أبداً في جَسدِ القصيدة، ولا تنفصلُ عنها كما انفَصَلَتْ أَحجارُه عن الجدار ' الثقوب../ أحجار مهاجرة من الجدار'. هنا يبدو التقاط التفاصيل الصغيرة من الحياة العابرة والاحتفاء بها مَقصوداً إلى أبعد الحدود، من أجل إبرازها وتحويلها إلى بؤرة ضوئية ومَركَزٍ للصراع، وهذا ما يفرضُ اعتناءً كبيراً بالمشهدية والإشارات البصرية لدى الجابري، إذ يَغرفُ من مخزونهِ وإرثهِ الصُّوَري، ويحيلها بخفة الشاعر إلى إشارات تشبهُ ضربةَ فرشاة الألوان فوق سَطحٍ أبيض، فَتشعرُ أثناءَ قراءته بأنَّهُ يرسم لوحات بالكلمات، عبر لغة تتوسط الفن الشعري والتشكيلي على حَدٍّ سَواء، سعياً وراء خلق حالة تستفزُّ القارئ لإطلاق مخيلته ورسم لوحته الخاصة، مُستنداً إلى أبعاد دلالية واستدلالية للتماهي مع النص المقروء ' نرسمُ الغيوم/ ونحلمُ بهطول النُّقَط / المرسومةِ تحتها'.
عدا عن فكرة / تقنية الشظايا، من الملاحظ أنَّ هذه المجموعة للجابري تميَّزَت عن مجموعته الأولى ' فهرس الأخطاء' بانعقاد هدنة بين الشاعر وذاته، وَصَلت أحياناً حدَّ المصالحة، دون أن يعني ذلك توانيهِ عن وضع نفسه موضع المساءلة ' لا أُنكرُ شحوبَ اللغة على لساني/ أفرحُ حين تتعافى من تعبٍ/ وأحزنُ حين يعاجلها الليلُ بالتَّرنُّح على بابه/ أَنظرُ في المرآة فأراني غير الذي ألِفَتهُ عيناي/ كيف وَصلتُ إِلى هذا المنزل؟؟'. فالصُّورُ المتتابعةُ والمنفلتةُ من أيِّ قيدٍ داخلَ معظم قصائده، تتكاثفُ وتتكاتفُ أيضاً ضمن سلسلةٍ من الكتابة الشعرية المُرَكَّزة، حتى وإنْ بَدَت قصيرةً على مستوى الكمِّ للوهلة الأولى، يُحاولُ الجابري بواسطتها خلقَ معادلةٍ من نوعٍ ما تسعفهُ في إطالةِ أمدِ هكذا مُصالحة مع ذاته المغتربة من جهة، ومع الأمكنة الجديدة التي بات مُجبَراً على قُبولِ الارتباطِ بها من جهةٍ أخرى، بما تُفرزُهُ هكذا محاولات دؤوبة من لا توازن أو استقرار على مستوى العلاقة التي قد تنمو وتتطور بين كلا الطرفين، وقد تهوي أيضاً بأَحَدِ أطرافها أو كليهما إلى قرارٍ مجهول 'كُنْ مثل خطوة الغريب/ يَتَوكَّأ على صُور المدن في الخارطة العتيقة/ ويَتعثَّر بمسقطِ رأسه'.
ثمَّ هناك أيضاً مقاطع وأسطر شعريةٌ تومضُ بأسئلة وجودية، لكنَّها تظل دون إجابات شافية، كأنَّ الجابري تَعَمَّدَ تَركَها مَفتوحةً على قَلقِ التَّأويل، أَو في مناطقَ وسطى ' ما الذي سَنَراهُ / لو صارت الغيومُ مرايا...؟' كما يَتَبيَّنُ لاحقاً من قراءة المجموعة كاملة أنَّ الجابري يَتَخَفَّفُ من أثقالِ اللغة عبرَ اللجوءِ إلى كتابةٍ شفيفة، لا يمكنُ إلا أَنْ يَشعرَ القارئُ بوَخزها بين مقطعٍ وآخر، دونَ أَنْ يكونَ ذلك على حساب الشِّعريَّةِ الصافيةِ أو خَلخلةِ قواعدِ اللغةِ المؤسَّسَةِ على إرثٍ عَميق، بينما تَغدو البَصيرةُ المنشودةُ في النِّهايةِ أكبرَ من مُجَرَّدِ أمنيةٍ عابرة أو نُبوءَةِ شاعرٍ مُرتَحِل ' سَيَموتُ غَريباً / إثرَ وطنٍ عضال/ لن يُمهلهُ طويلاً'.
وإذا أَرَدنا التَّمادي في تأويلِ النُّصوص، لَقُلنا انَّ استخدامَ المتواليات على شكلِ التماعات قصيرة أو قصاصات شعرية أو حتى شظايا داخلَ بناءٍ شعريٍّ واحد كما هو الحال في نصوص ' غيوم ورقية'، ' تخطيطات حجرية'، ' كتاب القمصان' و ' الأبواب' هيَ السِّمةُ الغالبةُ على أسلوبية الجابري في هذه المجموعة بالذات، وقد تُحيلُ بشكلٍ أو بآخر إِلى حالةِ التَّشظِّي التي يُعاني منها الشاعرُ المصابُ بنوستالجيا الوطن منذُ غادره، خصوصاً انَّ هذا الوطن ( العراق) لا يكادُ يَغيبُ عن أي قصيدةٍ من قصائدِ المجموعة، سواء بشكلٍ صريحٍ أو مُضمر، ففي نَصِّ ' الأبواب'، يُحَمِّل الجابري أبوابَهُ رموزاً لم تُطرَقْ من قبل، فالبابُ عنده ليسَ مُجَرَّدَ أَمَلٍ يَتَعلَّق به، أو قَنطَرةٍ يَعبُرُ فَوقَها إِلى ضفَّةٍ أخرى، أو حتى مُجَرَّدَ بيت / وَطن يُنازعُهُ الحنينُ للرجوع إِليه، بل هو كلُّ ذلك وأكثر، خاصةً حين يحاولُ الجابري أَنسَنَتَهُ كما في قوله: ' البابُ الكهلُ / تَئنُّ مفاصلُه / فَيَشقى بالصَّرير' أو قوله: ' لا تَطرقهُ بشدَّة / إنهُ بابٌ يبكي' بينما في ' كتاب القمصان' نَقفُ على متواليات أو دفقات شعرية لا تَشتَرطُ قراءةً تراتبية أو مُؤطَّرة، بقدر ما تُشكِّلُ في مُجمَلها لوحةً فسيفسائية، تُحيلُ كلُّ قطعةٍ فيها إِلى بوحٍ مكنون أو مَقولةٍ تحريضية ومُحَمَّلة بمرجعيات مُتَعدِّدة، كانت فيما يبدو زفرةً مَحبوسةً في صدر الجابري وآنَ لها أَنْ تَتَحرَّر. ولتَحقيقِ ذلك بالمقابل، يُحَرِّرُ الجابري من ذاكرته الخاصة بعضاً مما اختَزَنَته: أماكن وأصدقاء وشخوصاً تاريخية ومعاصرة، مثل: ماياكوفسكي، فلسطين، مانديلا، العراق، غيفارا،الحلاج، المعري، غاندي، بغداد، الحجاج وغيرها، بحيث يغدو القميص قناعاً أو مرآةً يرى الجابري فيها أَزمات الحاضر، مُستَنيراً بالضوءِ القادمِ من الوَراء/ التاريخ، سَعياً نحو ' رؤية' و ' رؤيا' قد تُسعفهُ في استشرافِ مجاهلِ المستقبل. يقولُ في ' قميص الحلاج': ' الرؤوسُ جميعها يانعة/ فمتى/ تتعبُ/ من/ القطاف...؟؟'
عبرَ نصوصِ مجموعته ' يتوكَّأ على عَماه'، يَشدُّ الجابري الرِّحالَ إلى أراضٍ جديدة في الكتابة الشعرية لم يَطأها من قبل، مُتَزوِّداً بمخزون لغوي، وبصيرةٍ نافذةٍ إلى الأشياء التي تَستَحقُّ الاحتفاءَ بها، حتَّى لو اضطرَّهُ ذلك إلى أنْ ' يتوكَّأ على عماه' في وقتٍ تجدُ الكثيرينَ مُنهمكينَ بالتَّلصُّصِ والمراقبة وتَتَبُّع سوءات غيرهم، دونَ أنْ يُبصروا شيئاً من سوءاتهم أَو يَتَعرَّفوا إِلى مَلامحهم حتَّى لو حَدَّقوا في أَضخَمِ مرآة.
شاعر من الاردن