الجمعة، 25 يونيو، 2010

يتوكأ على عماه

يتوكأ على عماه




عبود الجابري





















الى خمسة يسكبون بياضهم على عتمتي فأضيء :
• رهف
• هزار
• راما
• محمد
• احمد




















غيــــوم ورقَّيـــــة





نرسم الغيوم
ونحلم بهطول النُقَط
المرسومة تحتها



الغيمة التي ظللت بها إسمك
حّلقت في سماءِ الآخرين



الغيمةُ أنثى....
ما من أحدٍ يعرف ذكر الغيم



الغيمةُ....
زفرةُُ بحرٍ مصابٍ بالحّمى



وحدةُ الألم
نتمنى أن يكون غيمةً عابرة




الغيوم.....؟
لو أنها لم تحجب الشمس !


غيمةٌ سوداء واحدة
تكفي لإطفاء القمر



غيمةٌ غاضبة.....
أمطرتنا بوابلٍ.... من الرصاص



غيمتان ساهرتان
تتجاذبان أطراف المطر



لا تمطر الغيوم
على من ينظر إليها دائماً






حّتى الغيمة الوحيدة
تنجبُ مطراً صالحاً



ما الذي سنراه
لو صارت الغيوم مرايا.....؟



عندما تغُيم الوجوه
لماذا تمطر العيون......؟



حينَ أقفرتْ حياتُهُ
أوقدتْ له غيمةٌ..



تَرفٌ موجعٌ.....
أن تمطر الغيمة في البحر








الغيومُ مواعيد
والمطر لقاءات حميمة



الغيمة التي أودعناها سماءَ العراق
تزلُّ أقدامها....
كلما حاولت أن تمطر النخيل



كعادتهم دائماً....
يشبعوننا غيوماً



هل المطرُ
دم الغيمةِ الجريحة.....؟



وماذا لو لم يلتئم جرحها....؟


هل كانت
ستمطر حتى الموت.....؟












منازل اليــــــد


ابسط يدي
حين تكونين على مقربة
وأغمضها
عندما يسيل ظلك بعيدا
يدي المخضبة بشعرك
هي ذاتها
اليد المرقشة برماد الأرواح
التي صافحتني.. قاصدة سماء الله
يدي
التي تنفض عن قميصك
رماد الأسماء
ورذاذ العطر
وبلورات الدمع القديم
يدي التي تفر مني إلى قميصك
يدي التي تفر من قميصك
هاربة إلى يدي الأخرى
يد يتيمة
تعرف أن الدعاء
يحلق بكفين ضارعتين
وان العناق
تلصص أصابعي على تضاريس جلدك
يد مغتربة
ترتجف بين أصابع الشرطي
واضعها على شفتي
عندما يفضي بي الغناء
إلى الموت
يد حانية
أتلمس بها جبين البلاد
ذات حمى
ويقرا لي العرافون
_ في خطوطها _
أيامي المرسومة على حاشية الرغيف
يد تحترق
بجمرة ثدي
أورق بين أصابعها
وتنطفيء
بماء التجلد
يدٌ عاريةٌ
يتقاذفها الفقهاء
وتتململ عند ارتعاش الشفتين
يد طويلة
تبعثر الملاءات
وتسرق تفاصيل الجسد
عندما تقصر قامة الضوء
يد قصيرة
تذبل في التمني
و في ماء العين البصيرة
يد تعد
ويفجعها شح الأصابع
في عد الأيادي التي بارحتها
يد تبطش
بالهواء حين تغلق الأبواب والنوافذ
يد تطلق النار على الشمس
حين ترخي ستائر الغرف الرطبة
يد تطرد الحكمة
بالشجار
وتمنح الدليل على ما تقترف
يد ..
يرى بها الأعمى
ويتلمس بها العاشق
يد ..
تكتب .. وتمحو
يد عليا ....!!
بين أصابعها
تقبع النواصي
وملك اليمين
وأيادٍ سفلى....
تائهةٌ
تبحث عن يدٌ تطلع من بين الركام....




















كما لو أنها قصيدة حب

قلت للقلب:
كن بردا وسلاما على أصابعها
حين تلامس جبيني
كن حكيما
وفكر بأبجدية يدها
وكما الشهداء، توكّل على الصمت
ودع رفيفك عالقا في طين المئذنة
كن مثل خطوة الغريب
يتوكّأ على صور المدن في الخارطة العتيقة
ويتعّثر بمسقط راسه
- لا أثر على الرمال
- ولا بصمة على الستائر
كن أليفا
ودعها تطأ تراب حاضرك
، طين ماضيك
انتصر لها عند جرحك القديم
ويمم وجهك شطر ابتسامتها
خبيء وجهها في مرآتك
يسيل ظلال امرأة
- غانية في قميص النوم
- داجية في بلور الوحشة
- راهبة في القبض على ما يهرب من الصلوات
انتصر لها..
مسافرة في تاريخ مقطوع الرأس
تكنس البارود عن ذاكرة بنيها
وتبحث عن آبائهم في نثار الخزف
كن دليلها
وهيء لها من أمرها وطنا
امنحها من أحلامك فرسا بالية
ورغيفا يتهشم على ركبة الضيف
زيتا خاثرا
وملحا أسود
كن شفيعها
والتمس لها عند شياطينك جنة
وخمرا مما تبقى من موائد الآلهة
كن قرصان وحدتها
وامض بيديك حتى آخر خيط في ثوبها
خذ زينتك عند تخوم بطنها
وتريث عند مشارف ثدييها
أطلق سراح شفتيك
وقل :
اللهم اني نويت سفرا
فيسر لي مما يرعى في سمائك قطيعا من الغيوم
ومما يسبح في أرضك من سفن النجاة
أولست عبدك وابن عبدك؟؟
وابن أمتك التي أثقلت كاهل الكون بي
ثم غشيتها سكرة الرحيل اليك...؟
أللهم ..
أنا العاشق الذي لايموت
ألأحمق الذي يهرب من الفراشة
الحالم بتمشيط غرة الأسد
العاشق القديم
بأيقوناته
وشمعداناته
ورسائله المؤجلة
لست صفصافة تراوغ موسم الذبول
أنا صديق من يعنى بالورد
ويقطف الأغاني عند مراقصة الدرويش
أبحث عن حمرة الخد في الوشم القديم
وأتحسس المسافة
بعينين تجرحهما خشونة المعنى
ويدين تبصران الطريق الى أزرار قميصي
لي من الأسنان مايكفي لعض شفتي
ومن الأولاد ما أكشر به عن فحولتي
ولدي من الجوع ما ألعن به ثراء اللغة
ليس بي رغبة في الموت
لأنني قلما أموت
قلما يحزنني تقافز السنوات
كالأرنب في ذاكرة صياد عجوز....

15 نيسان 2009

















ساعة معطّـلـة



لاوقت في معصمي
كي أزف إليك الصحو
ممتثلا لعصافير تنقر اوراق القلب
أنام حين ينوء بظهري كرسيّ عجوز
يتولّى انتظار الصباح معي
وأصحو
حين يهز جسدي السعال
ثمة ساعة تتربّص بنهاراتي
ورصيف تعود أن يلقي السلام عليّ
ويخبر حاجب الخليفة
إن كنت قد مددت بساط النوم على عينيّ
اخرج من البيت عندما اشعر أن المسافة بيني وبينك
مقدار رقة الشمس
بين ثقوب الستائر
وآكل عندما أجد طعاما في خرابة الفقير
واشرب ما يقطر من منقار حمامة مريضة
وأدخن ما يتيسّر لي
من لهاث الخليقة
....
لاوقت في ساعتي
انظر إلى العقارب
رافعة أذنابها
وابحث عن زورق الوقت
في الميناء البلوّري
وافرك بأكمام قميصي
زجاجها الذي علاه الضباب
فأدرك لماذا ألفيت معصمي خفيفا
ولم اكترث لعتمة المدن التي هاجرت من جبهتي
وتثاقل دمي في الشرايين
إنها ساعتي ..إذن
معطلة ...!!!
ذلك تبرير للآخرين
لكي يلقوا ظلال أوقاتهم على جسدي
ومحنة في تحديد ساعات الصفر
- ساعة لفك طلاسم الوطن
- ساعة لمعرفة أين اختفى الجرح الذي خلفته العصافير في شفتي
- ساعة لترديد النشيد الوطني لخمسين قرية وهبتني شتاءاتها
- ساعة لمراقبة سفارات عزرائيل في الأرض
- ساعة لانتهاز قيلولة الخليفة ..
- ساعة.......!!!
هي يدي إذن تحتفل بموت الدقائق
واخضرار العفن على جدران الساعة القتيلة
هل علي أن أتذكر سلفادور دالي
واسخر من عفونة الوقت في ساعتي ..؟
هل علي أن أقودك الى حيث نغمض اعيننا
ونشطب النهار من ساعة على الجدار ..؟
هل علي أن امحو عاما كاملا
بنهاراته ولياليه
لأستعيد بكارة بغداد ...؟
واكتب من جديد تاريخ ميلاد الجسر
هل علي أن أصدق أن رايات سودا
ستخرج من مؤخراتنا ..؟
الساعة بوصلة الحالم
والمشرق صار غربا
لكتائب تنام على قبور آبائنا
المشرق الذي لم يصلّ مع عليّ
ولم يحضر مادبة معاوية
المشرق الذي يقف على الجبل
يرقب رماد الذهب
في مواقد الحكائين
...........

هل علي أيضا ..
أن أمضي بالبزة العسكرية الى حيث تنتظرين..؟
وأقلد جيفارا
واسلم رئتي للسل..؟
اقترحي انت ساعة لا تموت
وأياما بلا عقارب
اقترحي رجالا
ونساء
وعصافير
لا يلوون معاصمهم ،
ثم يحثون الخطى صوب ساعاتهم القتيلة
اقترحي
فلم يبق من الوقت
سوى اربعين ذراعا
بين موت الرحى
واخضرار الحجر...


ايار 2009





تخطيطات حجرية


(1)

يعتذر الصائغ من الذهب
لقد رصعه بالحجر

(2)

طعم شفتي تراب
لفرط ما قبلت من أحجار

(3)

الحجر ..
وسادة الغريب

(4)

غالبا ما يتوسد الحجر
كتف الوردة كي ينام

(5)

يسقط الحجر علي فأنكسر
يفرح هو بقسوته
وأفرح برقتي

(6)

حتى الملك ..على رقعة الشطرنج
يدعى حجرا

(7)

الحجر وحدة قياس المسافة
بين رام كسيح
وشجرة باهظة الثمار

(8)

..حين يرونني طافيا
لماذا يربطون في قدمي الحجر..؟؟

(9)

الحجر لايشرب الماء
فلماذا لا يموت من العطش؟؟

(10)

لسيزيف الحجر
ولنا انتظار الهاوية





(11)



الحجر..
ائتلاف الرمال

(12)

ما بال أجدادنا ؟؟
لم يخلفوا لنا سوى
تاريخ مكتوب على الحجر

(13)

الجبل..
بلاد من الحجارة..


(14)

من كان منكم بلا ضغينة
فليرمها بحجر ..

(15)
حين يقترب الموت
نلوذ بالحجر

(16 )

الحصاة..
ابنة الحجر

(17)

الكهوف
أحجار حانية


( 18)


يدهشني أنها تبتسم
كلما أقول لها :
قلبك من حجر

(19)

أيها القمر
مادمت حجرا
فلماذا خدعتنا عمرا طويلا؟؟

20)

هي حجر
وانأ ماء
كلما اكتفيت بالسكون
ملأتني بالدوامات

(21)

ابتسامتها ..
كانت حجر الأساس


(22)

الرخام..
حجر أدركته النعمة فجأة

(23)

ما بيننا فقط
حجر صغير
كلما هممنا بالتقاطه
تصادمنا بالرؤوس



(24)

الثقوب
أحجار مهاجرة من الجدار




(25)
لماذا يسيل الدم من رؤوسهم..؟
أو لم يكن حجرا ضئيلا ..؟

(26)


بين حجر وحجر
لابد من حجر
آيل للسقوط


عمان
2009-05-14














نــــــزلاء


مثل عشبة ندية
تنسّلين تحـت الغطاء
فاسأل نفسي
هل سأكون نزيل ذراعيك
أم نزيل الفراغ الذي يلي ظهرك
أنا وأنت
نزيلان في ليل أضيق من السرير
وأوسع قليلا من نهار المتسّول
تستيقظين في الشروع الأول للنوم
لتسألي عن النزلاء الصغار
في الغرفة الصغيرة
بينما أنا منشغل بالجدوى!!
النزيلة الثانية في دفتر العائلة
تسألني عن الجدوى ايضآ
_ لماذا تكتب في الجريدة مادام الناس سيأكلون
عليها في اليوم التالي...؟
_ لماذا تصرّ على تقبيل أخي وأنت تراه يبكي
من وخز شاربيك..؟
أقول لامرأتي :
_ أطلقي سراح السمكة الزرقاء ؛ نزيلة حوض الماء
البلوري
فتسخر مني _ باللا جدوى طبعا _
وتقول لي :
_ البحر بعيد ، ولا انهار في هذه البلاد
ابحث في دفتر العناوين عن نزيل قديم ،
فاكتشف أني لم اعد نزيلا في ذاكرته
اقلب الساعات على رؤوسها
_ بعض من لا جدوى معرفة الوقت _
مادمت نزيل ظلام طائل
_ لا جدوى من التملص مما أنت فيه !!!
أنت نزيل أرض غريبة
فلماذا تشير بقلبك إلى الوطن ؟
هل هو الحنين إلى المهجع ..؟
_ لماذا يسمونه مهجعا ..؟ _
لعلهم يرون الحرية تجوالا متعبا..
أمس مات المغني
فأودعوه مهجعا رطبا
وضعوا ألواح الاسمنت على أضلاعه
وأهلنا التراب على أعضائه
_ كان نزيلا صامتا جدا _
هراء ..
فما جدوى الكلام إذا كنت ستصمت أخيرا..؟
ها ها ..
عندما كنت نزيل عطرك آخر مرة
أحسست بلا جدوى شفتيّ
هراء من نوع آخر
فربما صرت نزيلا يسعى بلهفة إلى مهجعه..
_ لا جدواي عاشقا هذه المرة _
ارقص بين حشد من النزلاء
وأقول للفقيه:
إني سأواري سوأته
أقول للوزير:
انه جدير بدم العباد
أقول للراقصة : _ حان موعد صلاة الفجر _
أقول للطفل : لاتقل لما سيأتي أفّ"
أقول للمرأة : إنها طبق الأصل عن الموناليزا
أنا آخر النزلاء
وسوف انتظر طويلا
وحشة التنزه حرّا
في ريش الحمام
أو في المسافة بين بابين
أو ذراعين
في سفر القبلة بين خدين
امضي
واختم عمري
نزيلا في بلاهة النزلاء


عمان 28/3/2007























أسبـاب موجبــة


الولد النائم في زاوية الغرفة
كما لو انه ابني
يبدو كقاطف المناديل
يسابق ايامه للوصول الى دمعتي ...
*******
الولد الذي يلعب في الردهة الضيقة
يشبه ابني تماما
يتمنى أن يركل الهواء
ولاتصطدم قدمه بالجدار
*******
البنت الابدية الذهول
والبنت التي تحب ملاعبة الأولاد
والبنت الثرثارة
كأنهن بناتي
يحملنني كقطعة ثلج بين الأصابع ...

********
المرأة التي تصلي قربي
شديدة الشبه بامرأتي
تحب الشعر
وتكره الشعراء
وتدعو لي بطول ( البقاء )

********
لست على يقين من ذلك
امرأة تبكي عندما يتبين الخيط الابيض من الخيط الاسود للرغبة
هل كنت انا من قال لها
ان الدمعة تاريخ يتوارى بين الأجفان؟؟
هل كانت تعرفني ؟؟
لتنثر ايامي
كما حبات العنب عند افول الموسم
ولماذا ابدو طيبا جدا
ومسالما جدا
لاانكر شحوب اللغة على لساني
افرح حين تتعافى من تعب
واحزن حين يعاجلها الليل بالترنح على بابه
انظر في المرآة فاراني غير الذي الفته عيناي
كيف وصلت الى هذا المنزل ؟؟
ومن فتح الباب ليدخلني
دون سؤال
ولماذا يتراكض نحوي هذا الجمع
ويروي لي ما لا افهم من التفاصيل:
واذا ما حل الليل
فأين سارخي كتفي واغفو ؟؟
منتظرا عودة رب المنزل ...
آب /2009





















لم يمهله طويلا
_____________


سيموت غريبا
اثر وطن عضال
لن يمهله طويلا
*******

سيموت غريبا
لأنه لم ينفض التراب عن لحيته ،
ولم يمسح الدم النافر من جبينه ،
كانوا يلقون عليه الورد حين تذبل عروقه
ويضربونه بالأغصان حين تبتل ذوائبها
كان يتلبث عند خيامهم
ويغني لأولادهم السادرين في النوم
كان يعرف انه سيموت غريبا
فيوغل في نار وطنه عميقا
*******
سيموت وحيدا
وسيحتفل اصدقاؤه
بتقاسم الرصاصة الأخيرة
*******
سيموت ..
قبل أن ينسى وصيته الأخيرة
*******
اهرب يا أخي اهرب ..
كان يقولها لي دائما
هل كان خائنا
لأنه هرب وتركني وحيدا ..؟؟

********
وكنت جمعت له ما خلفته العواصف من خيوط ، وقلت له طر بحلمك الى حيث تضع رحلك في ماء السكينة او في تراب الهدأة ، وتخير من الحور من تجدها اقرب الى ضلالك ، هائم انت في صوفية الصمت وعيناك تذرفان الأغاني ، فأنى لهم أن يسمعوك ؟؟ ، أنى لعينيك أن تبرقا في سورة انشغالهم بتعداد مواشيهم ، أنى لك أن تؤذن في غلمانهم السادرين في النوم ، ونسائهم الغارقات في المرايا ، كانوا يلعقون الحكمة الملتصقة في اناء حماقاتك ، ويسومونك سوء الأنصات ، كانوا يضربونك بالوردة حين تذبل عروقها ، وبالغصن حين تبتل ذوائبه ، كانوا ينثرون غيابهم على حقول انتظارك ، ويشمتون بمصابيحك الذليلة .

********


غير انه لم يبرأ بعد من اغنية قديمة
اسدل الستار على اسمه
وترك لصوته ان يتيه في الأسماع
وتعلق بأستار صمته ....
*******
وإذ قلت له
ماذلك بمرآتك ؟؟
قال : هو عماي
اتوكأعليه
وأهش به على ما أرى
من الظلام ...

*******
وحين أضاءت من حوله القرى
رأى الموت باسقا
فأناخ براحلته عند أغنية عتيقة
وأعلن انه ماض
ليموت ...




عمان
آب 2009











كتاب القمصان


مرايا شعرية

إلى : احمد الشيخ علي .. مرآتي البعيدة







قميص يوسف


معلّقا فوق حبال الغواية منذ قرون
ما الذي كان سيحدث
لو انه قـــّد من قبـــل...؟












قميص عثمان

دم يابس
يتسلق مئذنة التاريخ
دم يصلح دائما
لابتكار الحروب


القميص الأسود



على ذمة موسوليني
قميص اسود
يتناسل في الشوارع
ورجال بقلوب داكنة
يتربصون بقلوبنا البيض






قميص مايكوفسكي

القميص الأصفر الواسع
الذي طعنك في الصدر
نبوءة الحسناء
التي أيبست ( الغيمة في البنطلون)
اعترف أيها العزيز مايكوفسكي
إننا نرتديه صباح مساء
وترّوج العرافات موتنا
لكننا .. لا نموت ...














قميص فلسطين


نملؤه باللافتات
ونمسح بأكمامه
دموع أمهاتنا
اللواتي يرددن دائما
(الله كريــــــــــــم )

















قميص الشهيد


شظية غبية
ثقبت صور أبنائه في الجيب الأيسر
.. يرمم ثقوب القذائف
في خارطة البلاد






















قميص رهف*



غيمة تسقط في حضن البدوي
يداعب خاصرتيها
فتمطر ضحكا ابيض



*ابنة الشاعر












قميصها



ستبدو مأخوذا بهذه الكتف البيضاء
فينتهي ماتوهمته ذات يوم
- إصبعك المعقوفة في الهواء كما لو انه زناد
- والانبطاح على الأرض دونما سبب
ستظل مأخوذا
تسرق لصوتك بحّة العاشق


وليديك همهمة الأخرس
تتلمس جسدها
مثلما تقلب أجنحة الفراشات







قميص آبي ذر


امض إلى الربذة ...
امض إلى هناك بابن جنادة
.....
سوف يغبطك الأمراء المنفيون إلى العواصم
ويؤمّ صحراءك الموتى
الذين لن يجدوا من يتكفل بدفنهم
خذ حكمتك وارحل
فالغبراء التي تقلّك
خير من خضراء لا تظلل أهلها
ارحـــل
ودعنا نسكن زمنا آخر
نبحث فيه عن سيوف نشهرها
حين لانجد قوت أيامنا










قميص مانديلا

طوبى لها
تلك الورود التي تتمسح بأذيال قميصك
طوبى للبيض الذين سئموا بياضهم الفج
وطوبى للسود الذين استظلوا بقميصك
فابيضّت جباههم
مانديلا....
هل بقي لديك مّتسع من العمر
كي تمنحنا شرف اعتقالك مرة أخرى؟؟
ربما سيمتد هذا الشرف قليلا
وربما لن نجد مقصلة تليق باسمك
فنكتفي حينها برصاصة رخيصة
امنحنا هذا الشرف
ولو لبرهة واحدة
امنحنا ما تراه رّثا من قمصانك
المليئة بالورود
نعلقه على شرفات بلادنا
ونحلم انك حّر مرة ثانية




قميص العراق




غفرانــــك..
فقد تكاثرت المرايا
واسودت الوجـــــوه














قميص جيفارا


ها أنت .. بلحيتك الطازجة
مرسوم على القمصان
والحيطان
وريش العصافير
ها أنت .. تخمش الهواء من قناني العطر
والماء من الغيمة الآفلة
وها أنت أيضا
تعود حزينا .. منفيا
يجرحك الطبالون
ويقتلك الرسامون
فيقترحونك تاريخا
ما عاد سوى رسم
فوق القمصان







قميص الحلاج



إنهم يبحثون عن رمادك
يهزون سعف النخيل
وعباءة الأم التي تطحن عيناها الليل
لكي يعود الأولاد
يبحثون عن رمادك
في عقال الأب المغبر
وفي سارية العلم
يبحثون عن رمادك
في الأسماء
يبحثون عن اسمك
في الرمـــاد










قميص المعري



النجوم التي تلامعت في عينيك
لم تكن قلائد ( عروس الزنج )
كانت شرر أرواح
متلاحمة
هاربة
من ظلمة الإبصار
إلى نور عماك








قميص الدمعة




لا تنزل ..
رغم خراب الروح
وصليل الأسماء















قميص الياسمين




هو الآن يحصي غنائمه
-نظرة عرجاء صوب شرفتها
- وضغينة ناعمة على خيانة المواسم
- وانتظار ربيع أخر
........
......
يذبل قميص الياسمينة
فتساقط أوراقها
ويسود القلب منها
فيعود ثانية ليحصي هزائمه
ليس له سوى عطر مجفف بين أضلاع الرياح
وعينين ترنوان إلى ربيع فائت
وضغينة نائمة على قلبه
الذي رأى الياسمين يجفف قمصانه
فتراقص نزفا.. نزفا
واكتفى ببقايا نظرة عرجاء
وربيع شاحب
وأغنية مخضبة بدم الياسميــــــن





















قميص غاندي


أيّها المسالم حدّ الموت
ربما لم يسعفك العمر
كي تكتب كلاما
في مديح المسدس














قميص بغداد


لم يجدك البرابرة
والسماسرة ، حين عبروا الجسر
لم يجدوا عيون ألمها
ولم يجدوا عليا بن الجهم
لم يجدوا الشعراء
لم يجدوا سوى سفينة
تحمل من كلّ زوجين اثنين
وتوغل عميقا في الطوفان












قميص الحجاج



الرؤوس جميعها يانعة
فمتى
تتعب
من
القطاف ....؟؟؟
















قميص امريء القيس


اليوم خمر
وغدا ..خمر
وبعد غد أيضا
أما الأمر ..
فلم يكن سوى هذيان مخمور
يقتل الندمان آباءه
فيشرب نخب موتهم
حالما بالصحو
بين جرار النبيذ









قميص هولاكـــو


أتراك عدت هانيء البال
بعدما أغرقت دجلة في المكتبة العظيمة ...؟؟
ومهرت بخاتمك صكوك الولاية
لأبناء عمومتك
أتراك شربت من ماء العراق
وعاد بك ظمأ الحنين
لتشرب مرة أخرى
؟؟؟…….












قميص الغفران


أغفر لأبي حزن أمي
أغفر لأمي اشتعال أخوتي في ظلام حزنها
أغفر لأخوتي كثافة أسمائهم في دفتر العائلة
أغفر للعائلة مسقط الرأس المؤجل
أغفر لمسقط الرأس خشونة طبع البلاد
أغفر للبلاد المنفى
أغفر للدائنين عجا لتهم
أغفر لزوجتي أولادي
أغفر لأولادي شيخوختي
أغفر
أغفر
وأعلم أنها خطايا ألبستها قميص الغفران






قميـــــصي

وحين لم يبق من الحشد سواي
جمعت فلولي
ومضيت الى الساحة وحدي
وتقافز من حولي:
- العسكر والأصحاب
فلم يجدوا
سوى لساني الأثري
وقميص ابيض
حملته لافتة
تبحث عما كان عليها من كلمات ..










قميص المرآة



تبكي هذه المرآة
من كثرة الوجوه التي انهمرت على زجاجها
والعيون التي غيرت لون فضتها
تبكي..
حين تسائلها امرأة
عن شكل ضفائرها قبل سنين

ويعابثها رجل
يبحث عن وجه أودعه بين صحائفها
ومضى يتحدث عن مرآة خائنة
ووجوه تتجعد في المرآة




قميص التراب

أغرق في ذاكرة تراب آخر
يرسم وجهي من جديد
ويطبع حروفا أخرى على لساني
- يلمسني فأمّحي
- ينفخ في جسدي من روحه
فأصير غبارا
تتقاذفه الريح
وتغلق دونه المدن الأليفة
أبوابها













قميص المتنبي


أغتنم مقامك بين يدي ( كافور )
فثمة ( فاتك ) عند كلّ منعطف
وثمة خيول
ورؤوس
وعواصم
يجرحها ( بم التعلّل ..؟؟ )











قميص أبي



منذ أسلمتني للعريف المعتق
عرفت أنّ موتك
رداء أوسع مما يلزم جسدي
فمضيت
أهيل الأرصفة المكلومة في جوفي
وأفتش عن أخوتي
بين طيات الرداء





عمان
2005- 2007




الأبــــــواب



(1 )
طرق الباب
ونام عند العتبة
منتظرا من لايفتح له

(2)
الباب الكهل
تئن مفاصله
فيشقى بالصرير

(3)
المنزل المهجور
باب يشكو من البطالة


(4)
قليلا من التهذيب أيها الموت
اطرق الباب أولا

(5)

يتحسّس جدار غربته
عسى أن يعثر
على باب الوطن

(6)
من بعيد ..
تبدو المنازل
بلا أبواب

(7)

النوافذ
أنصاف أبواب

(8)

أضعنا المفاتيح ...
فلماذا لانخلع الأبواب...؟

(9)

الأبواب المقفلة
عيون مغمضة

(10)

لاتطرقه بشّدة
انه باب يبكي

(11)

يحرص العراة
على إقفال أبوابهم دائما





(12)
الصمت ..
باب الأسرار


(13)

الفقر
باب مؤجّل

(14)

الباب الموارب
امرأة تنتظر

(15 )

الأبواب التي تصطفق
أغنية الريح

(16 )

العين ..
باب القلب

(17 )

البكاء
باب الرجل الأخير

(18 )

أبواب العشاق
تحلم نهارا
بحلول الليل



(19)

الحرب
باب الموت

(20)

السماء
باب العصافير

(21)
السماء أيضا
باب الله

(22)

التاريخ
أبواب صدئة

(23)

قميصك
باب
احلم أن اطرقه

(24)

الباب الزجاجي
أغنية من وراء ستار

(25 )

الأبوة
باب اليتم



(26 )

لنا باب
يحلم برحيل البرابرة



(27 )

يفتح بابه في الليل
ينتظر
وصول النهار


(28 )

المفاتيح
توائم الأبواب


(29)

يد الأعمى
باب عينه



(30 )

الباب الذهبي
سليل باب من الصفيح


(31 )

لافائدة من طرق الباب
ماداموا ينظرون إليك
من ثقب المفتاح





عمان /2009














عبود الجابري
العراق /1963
صدر له :
- فهرس الأخطاء – شعر / دار أزمنة – عمان 2007
- ترجم ونشر العديد من النصوص والدراسات النقدية عن الأنجليزية .
- يقيم في الأردن منذ عام 1993 .
- البريد الالكتروني :

abboudaljabiri@yahoo.com

Abboud_aljabiri@hotmail.com

www.aljabiri1.blogspot.com











المحتويات


غيوم ورقية ..1
2. منازل اليد .
3. كما لو أنها قصيدة حب .
4.ساعة معطلة .
5.تخطيطات حجرية .
6. نزلاء .
7.اسباب موجبة
8. لم يمهله طويلا .
9. كتاب القمصان .
10. الأبواب.

السبت، 1 مايو، 2010

خلدون عبد اللطيف : يتوكأ على عماه هدنة مع الذات والأمكنة

خلدون عبد اللطيف : يتوكأ على عماه هدنة مع الذات والأمكنة / القدس العربي

خلدون عبد اللطيف
4/23/2010


بعدَ ' فهرس الأَخطاء' الصادرة عن دار أزمنة عام 2007، صَدَرت للشاعر العراقي عبود الجابري عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر نهاية العام 2009 ثاني مجاميعه الشعرية تحتَ عنوان ' يتوكَّأ على عماه'.
الجابري في مجموعتهِ الجديدة يَنحى غالباً باتجاهِ إِنتاجِ قصيدةٍ مُكثَّفةٍ لا تخلو من تَوهُّج وومضات خاطفة، فاتحةً الأبوابَ على مصراعيها للتأويل والتَّرسُّبِ تدريجياً وتلقائياً في قرار الذائقة والشعور، من خلال مقاطع قصيرةٍ لكنَّها مُنتظمَة ضمنَ نصوص مستقلة ومتفاوتة من حيث الطُّول، ومندرجة تحت عناوين شاملة وذات دلالة عامة، بحيث يغدو العنوان في كلِّ نصّ بؤرةً مُرَكَّزةً لانطلاقِ القَصيدة، ومحوراً ثابتاً تدورُ في فلكِهِ تلك المقاطعُ القصيرة، دونَ أن يلغي ذلك خلوَّها من شعرية عالية ومشهدية صارمة أيضاً، فَضاؤها لا محدود وأسوارها التجريدية عالية، لكنَّها رغم هذا وذاك غيرُ منفصلةٍ عن الأرض بقدر ما تُعامِدُها في نقطةٍ لا يَصلحُ فيها إلا ولادَةُ الشِّعر. هنا تكمنُ أهميةُ العنوان لدى الجابري باعتباره المُمَهِّدَ لدخولِ عالم النَّصِّ/ المتن الشِّعري، والمؤثِّر الأوَّل في خلق تأويلات سابقة على قراءة ذلك النَّص، بحيث تتأكَّد أو تنتفي هذه التأويلات عند الانتهاء من فِعلِ القراءة.
عنوانُ المجموعة ' يتوكَّأ على عَماه' الذي يُحيل إلى الآية الكريمة من سورة طه ' وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآَرِبُ أُخْرَى' هو بمثابة إعلان صريحٍ من الجابري عن تَعطيلهِ للبَصَر القاصِرِ عن فِعلِ الرؤية، في حين يُصبحُ العَمى/ الضدُّ وسيلتهُ لاجتراحِ البصيرة وإزاحةِ الظلام، وصولاً إلى رؤية ما لا يُرى ' وإذْ قلُتُ له / ما ذلك بمرآتك؟؟/ قال: هو عماي/ أتوكأ عليه / وأهشُّ به على ما أرى/ من الظلام...'
يَكتبُ الجابري عدداً لا بأسَ به من قصائد مجموعتهِ مُستَفيداً من شعر ' الهايكو' الياباني و' فنِّ التوقيعات' الذي عُرفَ بشكلٍ خاص في العصر العباسي وصولاً إلى ما أطلق عليها قَصيدة التوقيعات أو الهوامش، والتي أخَذَت طريقها إلى الانتشار عربياً بدءاً من ستينات القرن الماضي، فهو يُؤثِّثُ قصائدَهُ بتؤدةٍ وانهماكٍ وفق هندسة شعرية ولغوية مضبوطة، وخلوٍ من الحشو إلى درجة الاقتصاد، بِقَدرِ ما تتطلبه هكذا كتابة شعرية من كثافة وإيجاز ونبرة إيقاعية متوترة، على الرغم من كونها ملغومة بالمقولات ومفتوحة على التأويل، إضافةً احتوائها على دفقات من العبث والسخرية اللاذعة، وإمكانية التقاطها في بعض الأحيان من قصائد طويلة أو متوسطة الطول، كما في قوله: ' طرق الباب/ ونام عند العتبة/ منتظرا من لا يفتح له'. لكنَّ شظايا الجابري الشعرية ليست متناثرة بعشوائية، إِنَّما تُقرَأُ كُلاً واحداً كونها مزروعة أبداً في جَسدِ القصيدة، ولا تنفصلُ عنها كما انفَصَلَتْ أَحجارُه عن الجدار ' الثقوب../ أحجار مهاجرة من الجدار'. هنا يبدو التقاط التفاصيل الصغيرة من الحياة العابرة والاحتفاء بها مَقصوداً إلى أبعد الحدود، من أجل إبرازها وتحويلها إلى بؤرة ضوئية ومَركَزٍ للصراع، وهذا ما يفرضُ اعتناءً كبيراً بالمشهدية والإشارات البصرية لدى الجابري، إذ يَغرفُ من مخزونهِ وإرثهِ الصُّوَري، ويحيلها بخفة الشاعر إلى إشارات تشبهُ ضربةَ فرشاة الألوان فوق سَطحٍ أبيض، فَتشعرُ أثناءَ قراءته بأنَّهُ يرسم لوحات بالكلمات، عبر لغة تتوسط الفن الشعري والتشكيلي على حَدٍّ سَواء، سعياً وراء خلق حالة تستفزُّ القارئ لإطلاق مخيلته ورسم لوحته الخاصة، مُستنداً إلى أبعاد دلالية واستدلالية للتماهي مع النص المقروء ' نرسمُ الغيوم/ ونحلمُ بهطول النُّقَط / المرسومةِ تحتها'.
عدا عن فكرة / تقنية الشظايا، من الملاحظ أنَّ هذه المجموعة للجابري تميَّزَت عن مجموعته الأولى ' فهرس الأخطاء' بانعقاد هدنة بين الشاعر وذاته، وَصَلت أحياناً حدَّ المصالحة، دون أن يعني ذلك توانيهِ عن وضع نفسه موضع المساءلة ' لا أُنكرُ شحوبَ اللغة على لساني/ أفرحُ حين تتعافى من تعبٍ/ وأحزنُ حين يعاجلها الليلُ بالتَّرنُّح على بابه/ أَنظرُ في المرآة فأراني غير الذي ألِفَتهُ عيناي/ كيف وَصلتُ إِلى هذا المنزل؟؟'. فالصُّورُ المتتابعةُ والمنفلتةُ من أيِّ قيدٍ داخلَ معظم قصائده، تتكاثفُ وتتكاتفُ أيضاً ضمن سلسلةٍ من الكتابة الشعرية المُرَكَّزة، حتى وإنْ بَدَت قصيرةً على مستوى الكمِّ للوهلة الأولى، يُحاولُ الجابري بواسطتها خلقَ معادلةٍ من نوعٍ ما تسعفهُ في إطالةِ أمدِ هكذا مُصالحة مع ذاته المغتربة من جهة، ومع الأمكنة الجديدة التي بات مُجبَراً على قُبولِ الارتباطِ بها من جهةٍ أخرى، بما تُفرزُهُ هكذا محاولات دؤوبة من لا توازن أو استقرار على مستوى العلاقة التي قد تنمو وتتطور بين كلا الطرفين، وقد تهوي أيضاً بأَحَدِ أطرافها أو كليهما إلى قرارٍ مجهول 'كُنْ مثل خطوة الغريب/ يَتَوكَّأ على صُور المدن في الخارطة العتيقة/ ويَتعثَّر بمسقطِ رأسه'.
ثمَّ هناك أيضاً مقاطع وأسطر شعريةٌ تومضُ بأسئلة وجودية، لكنَّها تظل دون إجابات شافية، كأنَّ الجابري تَعَمَّدَ تَركَها مَفتوحةً على قَلقِ التَّأويل، أَو في مناطقَ وسطى ' ما الذي سَنَراهُ / لو صارت الغيومُ مرايا...؟' كما يَتَبيَّنُ لاحقاً من قراءة المجموعة كاملة أنَّ الجابري يَتَخَفَّفُ من أثقالِ اللغة عبرَ اللجوءِ إلى كتابةٍ شفيفة، لا يمكنُ إلا أَنْ يَشعرَ القارئُ بوَخزها بين مقطعٍ وآخر، دونَ أَنْ يكونَ ذلك على حساب الشِّعريَّةِ الصافيةِ أو خَلخلةِ قواعدِ اللغةِ المؤسَّسَةِ على إرثٍ عَميق، بينما تَغدو البَصيرةُ المنشودةُ في النِّهايةِ أكبرَ من مُجَرَّدِ أمنيةٍ عابرة أو نُبوءَةِ شاعرٍ مُرتَحِل ' سَيَموتُ غَريباً / إثرَ وطنٍ عضال/ لن يُمهلهُ طويلاً'.
وإذا أَرَدنا التَّمادي في تأويلِ النُّصوص، لَقُلنا انَّ استخدامَ المتواليات على شكلِ التماعات قصيرة أو قصاصات شعرية أو حتى شظايا داخلَ بناءٍ شعريٍّ واحد كما هو الحال في نصوص ' غيوم ورقية'، ' تخطيطات حجرية'، ' كتاب القمصان' و ' الأبواب' هيَ السِّمةُ الغالبةُ على أسلوبية الجابري في هذه المجموعة بالذات، وقد تُحيلُ بشكلٍ أو بآخر إِلى حالةِ التَّشظِّي التي يُعاني منها الشاعرُ المصابُ بنوستالجيا الوطن منذُ غادره، خصوصاً انَّ هذا الوطن ( العراق) لا يكادُ يَغيبُ عن أي قصيدةٍ من قصائدِ المجموعة، سواء بشكلٍ صريحٍ أو مُضمر، ففي نَصِّ ' الأبواب'، يُحَمِّل الجابري أبوابَهُ رموزاً لم تُطرَقْ من قبل، فالبابُ عنده ليسَ مُجَرَّدَ أَمَلٍ يَتَعلَّق به، أو قَنطَرةٍ يَعبُرُ فَوقَها إِلى ضفَّةٍ أخرى، أو حتى مُجَرَّدَ بيت / وَطن يُنازعُهُ الحنينُ للرجوع إِليه، بل هو كلُّ ذلك وأكثر، خاصةً حين يحاولُ الجابري أَنسَنَتَهُ كما في قوله: ' البابُ الكهلُ / تَئنُّ مفاصلُه / فَيَشقى بالصَّرير' أو قوله: ' لا تَطرقهُ بشدَّة / إنهُ بابٌ يبكي' بينما في ' كتاب القمصان' نَقفُ على متواليات أو دفقات شعرية لا تَشتَرطُ قراءةً تراتبية أو مُؤطَّرة، بقدر ما تُشكِّلُ في مُجمَلها لوحةً فسيفسائية، تُحيلُ كلُّ قطعةٍ فيها إِلى بوحٍ مكنون أو مَقولةٍ تحريضية ومُحَمَّلة بمرجعيات مُتَعدِّدة، كانت فيما يبدو زفرةً مَحبوسةً في صدر الجابري وآنَ لها أَنْ تَتَحرَّر. ولتَحقيقِ ذلك بالمقابل، يُحَرِّرُ الجابري من ذاكرته الخاصة بعضاً مما اختَزَنَته: أماكن وأصدقاء وشخوصاً تاريخية ومعاصرة، مثل: ماياكوفسكي، فلسطين، مانديلا، العراق، غيفارا،الحلاج، المعري، غاندي، بغداد، الحجاج وغيرها، بحيث يغدو القميص قناعاً أو مرآةً يرى الجابري فيها أَزمات الحاضر، مُستَنيراً بالضوءِ القادمِ من الوَراء/ التاريخ، سَعياً نحو ' رؤية' و ' رؤيا' قد تُسعفهُ في استشرافِ مجاهلِ المستقبل. يقولُ في ' قميص الحلاج': ' الرؤوسُ جميعها يانعة/ فمتى/ تتعبُ/ من/ القطاف...؟؟'
عبرَ نصوصِ مجموعته ' يتوكَّأ على عَماه'، يَشدُّ الجابري الرِّحالَ إلى أراضٍ جديدة في الكتابة الشعرية لم يَطأها من قبل، مُتَزوِّداً بمخزون لغوي، وبصيرةٍ نافذةٍ إلى الأشياء التي تَستَحقُّ الاحتفاءَ بها، حتَّى لو اضطرَّهُ ذلك إلى أنْ ' يتوكَّأ على عماه' في وقتٍ تجدُ الكثيرينَ مُنهمكينَ بالتَّلصُّصِ والمراقبة وتَتَبُّع سوءات غيرهم، دونَ أنْ يُبصروا شيئاً من سوءاتهم أَو يَتَعرَّفوا إِلى مَلامحهم حتَّى لو حَدَّقوا في أَضخَمِ مرآة.
شاعر من الاردن