الاثنين، 5 يناير، 2009

فهرس الأخطاء - والأنموذج المُحزِن للتيه العراقي:عبود الجابري. . . شاعر يستقطر عسل الكلام

- فهرس الأخطاء - والأنموذج المُحزِن للتيه العراقي:عبود الجابري. . . شاعر يستقطر عسل الكلام
- ___________________________
عدنان حسين أحمد
تحتاج التجربة الشعرية لعبود الجابري الى معاينة خاصة لأكثر من سبب. فهو شاعر متأنٍ من جهة، ولا أريد أن أقول مٌقلاً في كتابة نصوصه الشعرية، لأن الشِعرَ هاجسه الأول والأخير مذ عرفته في عمّان في نهاية النصف الأول من تسعينات القرن الماضي. كما أنه ينتمي الى جيل " الحرب والشَتات " من جهة أخرى. وقد شهد شعراء هذا الجيل المُحبَط نزوحاً جماعياً غير مسبوق عبر منْفذٍ واحد وهو الأردن الذي كان يشكِّل لهم " نقطة إستراحة " سوف تفضي لاحقاً بأغلب الأدباء العراقيين الى مصائرهم المتقاطعة المجهولة. غير أن الجابري آثرَ البقاء في عمّان مُستجيباً لشروط " الإقامة العاطفية " بعد أن منَّ الله عليه بزوجة نبيلة قررت أن تشدّه الى عمّان بخمسة أولاد، تاركة إياه " يفهرس أخطاءه " كيفما يشاء. وقد طبعت الحرب بصماتها على مجمل تجربته الشعرية بحيث لم ينجُ من أسارها إلا نزر قليل من القصائد التي وجدت طريقها الى غابة الأسئلة الوجودية المؤرِّقة، الأمر الذي أضفى على قصائده بُعداً فلسفياً مقروناً بصور شعرية جذابة ذات حلاوة وطلاوة لا تخطئهما الأذن المدربة.
تستدعي شعرية الجابري التي نضجت على نار هادئة طوال عقدين أو يزيد بوصلة ما تُدل الناقد الى الجهة التي يمضي إليها الشاعر، فلا بد من هدف ما يروم الوصول إليه، حتى وإن كان هذا الهدف سراباً أو متاهة، أو حلماً بعيد المنال. ومن خلال قراءتي المتواضعة لهذه المجموعة الشعرية التي تتألف من " 25 " قصيدة ألبسها الشاعر لبوس " الأخطاء المُقتَرفة " من قِبَلِه، تبيّن لي بواسطة البُعد المنظوري أن الشاعر مُتجه من بغداد الى المتاهة، سالكاً الطريق الوحيدة المُفضية، أيام الحصار، والمحنة السوداء، الى المُدن المُنهَكة في المنافي النائية.
تشكيل الصورة الشعرية
توحي أغلب الصور الشعرية في قصائد الجابري وكأنها مرسومة بريشة فنان ماهر. ولو تأملنا في قصيدة " تخطيط أولي لمساء الشاعر " التي إستهل بها مجموعته الشعرية لوجدناه يستعير ريشة الرسّام وهو يصوِّر المساءَ " مُقعياً على أربع يُنجب أيتامه " وفضلاً عن " أنْسنة " المساء الذي " يقلِّب كفيه ذات اليمين وذات الخواء " نرى الوطن الذي " ترعف الريحُ أحزانه " ثم تنتهي القصيدة بسؤال مفجع مفاده " هل ستكفيك عشر أصابع / تحصي بها ندباً / في ظهور ملائكة ذابلين.". سأستعير من د. صلاح نيازي توصيفه النقدي عن " التركيبة الأوبرالية " التي تنطبق الى حد ما على بعض القصائد السومرية. ويمكن تتبع هذه التركيبة الأوبرالية في قصائد الجابري منفردة ومجتمعة على حد سواء. فثمة تمهيد يستهل به نصه الشعري كي لا يفاجئ السامع أو القارئ بالحدث الجلل دفعة واحدة. وهذا التمهيد يشبه البداية في فن القصة القصيرة. ثم يبدأ الجيَشان حينما تصل الثيمة الى ذروتها، وأخيراً تبدأ " الآريا " أو " التصويتة " بالمفهوم الأوبرالي، وهي التي تقوم مقام الخاتمة في البنية الأرسطية لأي جنس أدبي. ومما يعزز رأينا القائل بالتركيبة الأوبرالية في بعض قصائد الجابري أنها تراجيدية في مجملها، أو لنقل أنها درامية في الأقل، ومحتفية بعناصر الشد والجذب، والتوتر والإسترخاء اللذين يتوفران في أي عمل درامي. ففي قصيدة " تخطيط أولي. . " سنعرف سلفاً أن هناك أيتاماً، وأن هناك مدىً رسمْنا على ظله وطناً، وأن هناك شاعراً قد لا تكفيه أصابعه العشر لعدِّ الندوب الموشومة على ظهور ملائكة العراق الذابلين ". هذا التمهيد يهيئ قارئ النص أو سامعه للفحوى الدرامي، وما ينطوي عليه النص من أبعاد تراجيدية محزنة. وحتى قصيدته المعنونة " فالنتاين " والمدبًّجة لمناسبة " يوم الحُب " في 14 فبراير " شباط " من كل عام لا تخلُ من ذكر الحروب، والألوان الحمراء، الى جانب العصفور، والعش، والقرط، والشرفة، والقميص، والشال الذهبي. فكل شيء أحمر قانياً بما فيه عيون الأمهات، ونشرة الأخبار، والشفق القرمزي " أحمرٌ..... كل ما حولنا / فلا تحزني..../ ثمة أنت...... وأنا..../ وترابٌ أحمر..../ تلوذ به / وردةٌ ....حمراء تنتظر ارتعاش يدي / وشحوب......الرصاص." وقبل أن ننتقل الى قصيدتي " عابر وطن " و " بلاد تضيق بأهلها " لنعزز منحاها المنظوري، ونحدد زاوية النظر التي يقف عندها الشاعر بوصفه " عابر سبيل " لكنه تلاعب في صياغة العبارة الواقعية، مُضفياً إليها بعداً مجازياً جميلاً ليصبح هو مجرد " عابر وطن " لا غير! قبل أن ننتقل الى هاتين القصيدتين لا بد لنا أن نشير الى المَلَكة اللغوية العميقة للجابري، وقدرته على نحت صياغات جديدة مُستحدَثة من مفردات وعبارات مألوفة، بحيث تنسجم مع طبيعة النص الشعري الذي يكتبه أذكر منها، تمثيلاً لا حصراً، " ذات الشمال " التي أصبحت " ذات الخواء " و " الأسلاك الشائكة " صارت " شائخة " فيما تحولت عبارة " ضيق ذات اليد " الى " ضيق ذات اللغة ". كما تجدر الإشارة الى براعته في " ثنائية الأنسنة والجمْدنة " كأن " يجعِّد جلد البرتقالة " مؤنسناً إياها، بينما " يُجمْدن " " شُرُفات العين " في مكان آخر. تشكِّل قصيدة " عابر وطن " من وجهة نظرنا بؤرة للنصوص الشعرية، والمدار الذي تتمحور حولة الثيمات الدرامية الأُخَرْ. فالشاعر، أو الكائن السيري في هذه السيرة الذاتية- الشعرية لا بد له أن يعبر جسراً لكي يحيلنا الى " فاجعة جسر الشهداء " متسائلاً في الوقت ذاته: " كم جسراً يلزمنا للشهداء..؟" وحينما يجتاز الفرات لا بد أن " تنغرس قدماه في رماد النهر " فالفجيعة واحدة في كل البلاد التي تعض على جرحها منذ ثلاث حروب. ليس المهم من أين يهرب الشاعر، أو الى أين ينتهي به المطاف؟ فالغربة واحدة " والمنفى مهنة شاقة " بتعبير محمود درويش، لكن مكمن الغرابة في هذا النص الدرامي أن " المرأة التي تقطعّت بها سبل الضوء، مضت تبحث عن النار في رماد أبنائها! ". وربما تكون قصيدة " بلاد تضيق بأهلها " أنموذجاً محزِناً للتيه العراقي يدحض ما قاله الشاعر عمر بن الأهتم " لعمرك ما ضاقت بلاد بأهلها / ولكن أحلام الرجال تضيقُ " فنحن فعلاً " بلا أمهات / نكبر ../ ثم نلقي السلام على الشرطي الأخير/ىونخترع المراكب / والبحر / والقبطان / نسرج ما تبقى من الخيول الهزيلة / ونبتعث مدنا مهادنة. " فلقد مللنا دوي القنابل، وأزيز الرصاص، وسئمنا من " تحية العلم " التي تبدأ بـ " لاحتْ رؤوس الحراب ". فلا غرابة أن نحمل خارطة الوطن ونمضي صوب المنافي النائيات حيث تواجهنا دهشة السؤال المر " أيها الناجون من بلاكم. . / الى أين المفر؟ ". نستخلص من هذه القراءة النقدية أن الشاعر الجابري قد إتخذ من نفسه أنموذجاً للكائن التائه، المنفي، الذي شابَ منه الشراع، " وهو يبحر مثل جذع يتيم " في عُباب بحر الحياة القُلَّب. ويمكن تسميته بالكائن " الضَلُول " أو الضليل الذي جار عن الطريق، ولم يهتدِ بعلامات دالّة ترشده الى يقينه. فالخروج من بلاد النهرين يقترن باليأس، والمتاهة دائماً، والحنين الأبدي لهدهدة الأم، ورائحة المنزل، وعبق الذكريات القديمة على مرارتها، لذلك يُختصر المنفى بغرفة محكمة الإغلاق، يُطل الشاعر من خلال نافذتها الوحيدة " ذات الستارة السميكة، والزجاج المظلَل، والشبك المعدني " على العالم، لكنه لا يعرف كيف يومئ للعابرين؟ ولا يعرف إن كان هو باقٍ على قيد اليقين؟ ولا يعرف كيف ستصعد روحه الى بارئها خلل الزجاج المظلل والغبار الكثيف؟ بقي أن نقول إن ما يميز أسلوب الشاعر هو بلاغته، وكثافته، وعمق مفردته المجازية وكأنه يتسقطر عسل الكلام على رغمٍ من هيمنة الحس التراجيدي الذي يغلِّف مجمل نصوصه الشعرية التي تترجح بين ثنائية الوطن القرمزي والمنفى الرمادي.


القدس العربي

عبود الجابري: عابر وطن يفهرس الأخطاء

عبود الجابري: عابر وطن يفهرس الأخطاء

هدية حسين

الى أين تمضي أيها الشاعر الرحالة الذي لا يكف عن اقتراف الخطايا في الكلام ؟ يحمل زاداً لا يغني من جوع ، وعصى لا تعرف خطى الطريق متوهماً أن يستدل بها التائهون ، يحمل خارطة لوطن نثر أحزانه على خرائط المدن الغريبة وفقد ملامحه ، يحمل تذكارات لأمهات أخذت الحروب أبنائهن ، يحمل جراحاً ويقعد على الأرصفة لعلّ أحداً يشتريها ، يزعق بالسؤال : الى أين المفر ؟ لا أغنية تستلّ من جسمك بقايا الندوب ، لا أم ّ تهدهد سنينك الشائخات ، لا أحد يأتي إليك من هناك . أيها الجوّال احمل عدّتك - هذه الأخطاء - التي فهرستها في كتاب وواصل تجوالك إذ لا عاصم لك أو لنا غير هذا الكلام المدبّج بالحنين ، الممهور بالشجن ، المغمور بشمس لا تشرق من الشرق . إنها خارطة متهرئة ، تماماً كما قلت على الصفحة الأربعين من كتابك الموسوم ( فهرس الأخطاء):
نحمل الخارطة المتهرئة
ونمضي
باتجاه كرة أرضية
جميع ما فيها ينثر علينا أسماله
والسؤال المعتق
بلسان عربي مبين
أيها الناجون من بلادكم..
أين المفر؟
**
منذ كم من السنين حملت المنافي ؟ منذ كم من السنين توسّدت المتاهة ؟ منذ كم وأنت تخترع مراكب الرحيل ؟ والرأس صار أبيض من ثلج الغربة ، وفهرسك يناسل الأخطاء ، وصوتك المشحون بمواويل الجنوب لا يسمعه أحد ، وتنكر خطاك الطرق المزحومة بالنساء ، منذ كم ، وكم ، وكم ؟ والأمهات يهدهدن الدللّول بعيداً عن مهود أطفالهن دون أن يدرين أنهم صاروا شيوخاً في أقاصي الدنيا ؟ بلا أمهات
نكبر..
ثم نلقي السلام على الشرطي الأخير
ونخترع المراكب
والبحر والقبطان
نسرج ما تبقى من الخيول الهزيلة ونبتعث مدناً مهادنة
ومواقيت صلاة
من ساعة معطلة في سماء بغداد
ليس لنا
سوى العمر الذي لا يأتيه النوم
من بين يديه
ولا من خلفه
نحمل ما دسسنا في جيوبنا
مما لم تأكل الهوام،
**
قصائدك ماهي إلاّ ( أسلاك شائكة ) ، ( على مشارف التأويل ) في ( بلاد تضيق بأهلها ) فتأخذهم ( المتاهة ) باحثين عن ( أسانيد مهملة ) وأمهات وشوارع تحمل أسماءهم أو تتحمّل وقع خطاهم ، حاملين ( صورة الأب ) الذي يقبع في غرفة المخزن الرطبة لعلّ ( احتمالات ) الأغاني القديمة تعود به الى هيبته الأولى . الى أين تمضي بتلك القصائد أيها الضلّيل الذي ينثر علينا رذاذ أخطائه وأحزانه ؟ لا جبل يعصمك من طوفان الحنين ، ولا نار تدفئ شتاءاتك الطويلة ، ولا وطن يتذكر وجهك ، أنت نفسك اعترفت على الصفحة 19 من فهرس الخطاء:
في الطريق الى وطني
ما تعوّدت أن أنتشي
ويغني سواي
كنت دوماً شهيداً
وكان الزمان صداي
**
ولم تكن أمك معك ، ولا الأصحاب ، ولا الأحباب ، ولا الدروب التي شهدت طفولتك ، ولا المدارس التي تنقّلت بينها حاملاً علامة فقرك الفارقة ، ولا زوارق دجلة ولا نواعير الفرات ، ولا الوطن الذي ( مدّ على الأفق جناحه ) ولم تلُح لك ( رؤوس الحراب ) ولم تُفتح لك نافذة ولا باب .. أنت وحدك تحمل وزر خطاياك وتمضي في السهو دونما دليل ، تلطمك رياح الحنين حتى تشيب خطاك على الطريق ، ولا بريق يضيء لك العتمات ، وتذوي رؤاك فلا ترى وجه أمك الموشوم بالحزن المعتق .. أنت وحدك يا سيد المتعبين من لا يتذكره أحد فالذاكرات احترقت مدوّناتها ، والأصدقاء رحلوا منذ زمن بعيد:
يسقط الأصدقاء القدامى
من جيوب المحبة
تحت ذريعة ضيق الوقت
يسقط الوطن من الخارطة تحت ذريعة النوم في المخابىء
والاحتفاظ بحق الرد في الوقت المناسب
يسقط المطر
بحجة نحول الريح
تسقط الأغاني..
على لسان الأخرس والشمس في عيون الأعمى
ونحن أيضاً
نسقط كل يوم في البئر ذاتها
ولا يتبعنا
سوى صدى أصواتنا
ونحن نهتف
يسقط ال ....
يسقط ال ....
يسقط يس ....
ي......
**
ترى ، هل كنت سادراً في الوهم أكثر مما يجب حين دوّنت الأخطاء حالماً بتصويبها حين تعود ؟ الى أين تمضي ؟ لم تعد مدينتك كما كنت تعرف وتقرأ بذاك الاتساع الحلمي ، لم تعد شابة تغوي العابرين ، لقد شاخت ، تقعّرت ، تحدّبت ، تصدّعت ، تجعّدت من كثرة الندوب ، ضاقت بأهلها وأصبحت مثل خرم الإبرة ، بينما أنت ما تزال تغزل في نأيك خيوط المحبة وفرحة اللقاء بخيوط هلامية . أنت لست أكثر من عابر وطن لا يره إلاّ في خاطر الذكريات يتوهم في الصدى صوتاً يدلّه على الطريق:
يعبر دجلة..
يده مروحة معلقة في كتفه
وعيناه تسيران على الماء
توقدان نار الأسماء المفجوعة بحروفها
ياه .. يا للموقد المقدس
فاقتنص شرارتك الأخيرة
وامض الى حيث يموت أسلافك من البرد
وحيث تموت أسراب النمل على خيط من العسل
المعلّق .. بين دجلة
وجسر الشهداء
كم جسراً يلزمنا للشهداء؟
****************
فهرس الأخطاء . شعر . عبود الجابري . أزمنة للنشر والتوزيع . عمّان.

الصباح الجديد

الشاعر يفلسف الاخطاء النبيله بعنايه

الشاعر يفلسف الأخطاء النبيلة بعناية
__________________________________________________________
منذر عبد الحر


عن دار أزمنة للنشر والتوزيع في عمّان صدر للشاعر العراقي عبّود الجابري ديوان شعري جديد يحمل عنوان ( فهرس الأخطاء ) يضم ّ خمسا وعشرين قصيدة سبق للشاعر الجابري نشر بعضها في الصحف والمجلّات الأدبية , والشاعر عبّود الجابري مقيم في الأردن منذ أوائل تسعينات القرن الماضي , ويعدّ من أهدأ الشعراء العراقيين ومن أكثرهم زهدا بالأضواء والنشر , اضافة الى صدق همه الشعري وصفاء تجربته التي جعلت منه شاعرا متميّزا يمتلك صوته الخاص وتجربته الثرّة الغنيّة التي أنجبت في ما أنجبته قصائد الديوان الجديد الذي بين أيدينا , والفكرة التي انطلق الشاعر منها في اهاب هذا الديوان والمعتمدة على ( أنسنة ) الخطأ – اذا صح ّ التعبير – هي فكرة اعتبار هذا الخطأ اعترافا انسانيّا باذخ الحضور وهو يجسّد علاقة الفرد مع بيئته ومع تجربته ومع خلاصات حياته التي أطلقها بوح قصائده وهي التي تتميّز بموسيقى منسابة بحرفيّة عالية , ولغة صافية , ومفردات موحية معجونة بالغربة والألم والحياة المضمّدة , اضافة الى تمتّع هذه القصائد بتشكيل جماليّ يتّضح في عدم الاصغاء الى نسق ثابت في سياق القصيدة قد يكون هذا النسق مملا , لذلك يولّد الشاعر من قصيدته تشكيلات لها أسئلتها الخاصّة ودلالالتها التعبيريّة والفنيّة الهامّة من خلال بناء القصيدة بهندسة تتضح بالاطار العام المرسوم للنص ثمّ توليد الملحقات التي تمنح النص الشعريّ أبعادا مضافة , ونلاحظ ذلك في عدد من القصائد منها ( الضليل ) التي تقدّم لنا أنموذجا للقصيدة المركبة في شكلها حيث تتولد فيها الرؤية التي تستند على احاطة واعية بالشكل المقترح بعيدا عن الفذلكة والتكلّف والادعاء يقول الشاعر في قصيدة ( الضليل ) ص 10 :
" سترين على البعد ... نصف الشراع المهلهل
هل قلت نصف الشراع ... ؟
ولم أستطع مدّ أرجوحة في الهواء المعلّق بيني وبينك
هل كان بيني وبينك محض هواء ... ؟
رداء من الخز يستر عوراتنا
وتواريخ محمولة في الحقائب
لم أنتبه لقبائل شعرك , حين كتبت الليالي على جثّة اللوح
كنت وحيدا
وكانوا ......
........؟ !!!! "
ثم يطل الشاعر بعد مقطع مماثل ثري بالتعبير الشعري المبدع الى مفصل آخر من مفاصل بناء نصّه ويعطيه عنوانا ثانويا هو " سوانح من ضمن المتن " وهي عبارة عن جمل شعريّة تجسّد رؤى وأفكارا تخرج عن القصيدة لتدور في اطارها في معادلة فنيّة محكمة البناء والأداء الشعري .
وبعد هذه السوانح المركزة السريعة يطل علينا عنوان ثانوي جديد وهو استدراك يقول فيه الشاعر " :
لم أكن نائما عندما أذن الموت في بلدي
.. كنت أسعى لتأجيل قنبلة
تطفيء الروح في جسدي "
و بعد هذا الاستدراك الواخز ينهي الشاعر قصيدته بملحوظة جاء فيها : متن القصيدة محذوف لأسباب تتعلق بضيق ذات اللغة , وهو نوع من أنواع الايهام الفنّي الطريف المشاكس يحمل منحى جماليّا وتأويليا خاصّا .
ومن النقاط المضيئة التي تمتاز فيها قصائد " فهرس الأخطاء " استخدام الشاعر لجمل وتعابير مألوفة في سياقها العام , لكنه يكسرها بمؤدى تأويلي آخر عن طريق توجيهها لغويّا وبالتالي اعطاءها بعدا جماليا آخر مثل " يقلب كفّيه ذات اليمين ... وذات الخواء " ص 9 , أو " تسعين بين الصفاء ... وبين المرارة " من قصيدة " أمي " ص 23 , أو " أسلاك شائخة " عنوان قصيدة ص 28 , أو " أتسلّقه ... حلما ... حلما " ص 29 , أو " عابرو حياة " ص 43 , أو " أطلس حافل بتضاريس الحنين " ص 53 , أو " يسبلون متاعبهم " ص 56 , أو " عابر وطن " ص 57 , أو " منذ ثلاث حروب " ص 61 , أو " ناصية الليل " ص 64 , أو " أقود قطيع انكساراتي " ص 65 , أو " تعثّرت بفكرة " ص 68 ... الخ من المفردات التي تحرف اللغة عن دلالالتها المعروفة الى صياغات واستعارات شعريّة جديدة .
والجانب الآخر الذي يؤديه الجابري في ديوانه الجديد هو اطلاق العبارات المكتنزة الخارجة عن اطار سرديّة النص وهي عبارات حادة تفضي كلّ منها الى موضوع منفصل لغويّا واشاريا , لكنّه متصل في نسيج النص الذي ينتمي اليه فنّيا ., وحتى النقاط والفراغات التي اكتظت بها القصائد لها وقعها الخاص وتعبيرها الدال على الرؤية الشعرية الناضجة لدى الشاعر , يقول الشاعر في قصيدة " تماما كما حدث " – وهي قصيدة مركبة تبدأ بنسق سردي ثم تذهب الى التقطيع والعناوين الثانوية - , اذ تبدأ :
ما حدث لاحقا ...
أنه راح يجمع بقايا المدن المنهكة ... !!
خارج السور ...
يقفل أعضاءه
ويفتّش عن السماء ..
السماء التي لم يرها منذ زمن بعيد
فاتهم جسده بالانحناء
وعينيه بالعمى .
وبعد الانتهاء من هذا المقطع ذي الفضاء المعتم الحاد تخرج القصيدة الى عنوان ثانوي هو " في المنعطف الأول " يتضمن ومضة ترصد حالة صورية " :
رجل بذاكرة عارية
يثقب جيوب بنطاله بيديه ..
يتحسس الماضي
ثم يلوذ بخساراته "
وبعد هذه الومضة يضع الشاعر تحت عنوان آخر جديد هو " هكذا " الجمل المركزة التي أشرنا اليها ومنها " سيقلّم أظافره ليستغني عن مشطه الأدرد " .
فيما يجنح في نصّه الفنّي الى تبني أسلوب تشظّي الشكل في القصيدة الواحدة من خلال عنوان دال على هذا التشظي وهو " ملصقات " وهو عبارة عن مقطّعات شعريّة منفصلة أو قصائد قصيرة تتمثّل حالات انسانيّة والتقاطات حياتيّة طريفة وقد ضمّها الشاعر باطار مقترح هو " ملصقات " ومنه " نرجسيّة " :
لأن صوته ...
يشجيه في الحمّام
راح يحدّث الجلاس عن محاسن النظافة " .
أما قصيدة " أسانيد مهملة " ص 21 , فهي تبدأ بتضمين قرآنيّ نجح الشاعر فيه بالدخول الى أجواء قصيدة حادّة الخطاب لغة وموضوعا " :
سواء علينا .. أكنّا نقلّم أظفارنا ..أم نحك بها الريح
ليس لنا غير أنشوطة لاقتناص المواعيد "
أما قصيدتا " أمي " ص 23 , و"صورة الأب " ص 49 , فهما قصيدتان ذاتيّتان جميلتان تنسابان بلا تعرّجات أو تشكيل فنّي يخالف انسياب البوح والشجن , فقصيدة " أمي " أنشودة بوح ولوعة واصغاء كلّي لهذا الكائن الفذ – الأم – وهي تمثّل طمأنينة الدنيا في عالم متشابك من الاحباطات والخوف والقلق والارتباك الذي يعيشه كلّ منا في عالمه المخبوء في تراكض الزمن الغريب باتجاه المجهول المفزع , أما قصيدة " صورة الأب " فهي أقل أنينا لأنها تحمل أسئلة وذكريات وخطوات كبرى باتجاه عالمنا الذي نحياه .
وبعد فديوان الشاعر المبدع عبّود الجابري اضاء جديدة في خارطة الشعر العراقي الحيوي الحيّ , نبارك لصديقنا الجابري عليها ونتمنى له المزيد من الابداع والتألق .

جريدة الزمان
تشرين الثاني 2008

عبود الجابري في فهرس الأخطاء : متفق مع ذاته ومختلف مع الآخرين في قراءة الأثر

عبود الجابري في «فهرس الأخطاء»
متفق مع ذاتِه ومُختلِفٌ مع الآخرين في قراءة الأثر
_____________________________________________________
نصر جميل شعث

الشاعر العراقي عبود الجابري، برغم كونهِ ممسكـًا بزمام القول الشعري، ومتمسّكـًا بالقصيدة، دون غيرها من الأجناس الأخرى، إلا أنه لم يصدرْ طوالَ تجربته وخبرته الممتدة في وعي ومذاكرة القصيدة وشروطها الجمالية؛ سوى مجموعة شعرية وحيدة، لغاية الآن، بعنوان «فهرس الأخطاء»، والتي صدرتْ صيف، 2007، عن «دار أزمنة» بعمان، وضمّت خمسًا وعشرين قصيدة، هي نتاج عقدين من الزمن ويزيد. إذ قرّر الجابري أن يضعها في كتابٍ يوقعّه، الآن، بعد صمتٍ طويل، بعنوان مُتداولٍ ومستعمل، أي مُجرّب في توصيل الرسائل والتوضيح من لدن المرسل إلى المتلقي.
وقد أراد الشاعر بهذا الاختيار للعنوان بوصفهِ كشافـًا للأخطاء؛ أن يلقي الضوءَ على كلّ ما صمت عنه طيلة عشرين سنة، ورآه في «مرآةٍ تقطعت بها سبل الضوء».
حيث نلمس القدرةَ لديه على التقليل من احتمالات الخطأ في تأويل المنزل والنافذة، بقدر ما نلمس تخفّفه من تعب الإشارة وحريتها الطائشة في فضاء اللغة التي تحرّض السياسة على نحت مصطلحات مراوغة وخطيرة، مثل «الفوضى الخلاقة» المنتجة للمتاهة والأخطاء. وبذلك يتفق الجابري - إذ يتّجه إلى القارىء بما يعنيه من أخطاء وأسى- مع الشاعر العراقي طارق الحربي الذي كان أرسل «إلى القارىء»، في مستهلّ مجموعته الشعرية المعنونة بـ«حرب 80»، رسالةً صفّها بشكل عمودي، قال فيها للقارىء: «أنا/ حروب/ طويلة/ لا يعود/ فيها/ أسير/ ولا تنتهي». ومنذ عنوانه المتداول والعامّ؛ يحدّد الجابري موضوعه الذي يشترك في تداوله الشعراء العراقيون.
فعلى سبيل المثال، لا الحصر، يتفق شاعرٌ كطالب عبد العزيز صاحب ديوان «تاريخ الأسى»، وشاعر كطارق حربي صاحب ديوان «حرب 80»؛ مع عبود الجابري، في توقيع العناوين التي تشكل بوّابات عريضة وعامة، وموازية، في تفاصيلها لـثقل وقع الأحداث ونشرات الأخبار، ذات المادة الرقمية الجاهزة والمتصاعدة. الشيء الذي نلمسه في قصائد عبود الجابري التي تحتقب التاريخ والطابع العراقيّ في حقيبة شعرية متينة ونوعية، يشغلها الشاعر بمعالم وتذكارات وصور وليال ثقيلة وذاكرة محمّلة بالماضي، كما يكتب في قصيدة «الضليل»:
رداءٌ مِنَ الخزّ يَستر عوراتنا
وتواريخ محمولة في الحقائب
لم انتبهْ لقبائل شِعرك.. حين كتبت الليالي على جثة اللوح
كنت وحيدًا
وكانوا …..
……………… ؟!!!!
هذا المسكوت عنه، الذي يلي «كانوا… »، الآن، يشير له الشاعر في قصيدة بعنوان «بطولات» بقوله: «لي/ في احتشاد الرواة/ لسان صموت/وأذن أجفّف فيها الكلام». إذ يتّسع ما بعد «كانوا… » لاحتشاد الرواة والأخطاء. و نجد، في هذا الفراغ، مكانـًا واقعيّا للأسئلة ولقصيدة قصيرة بعنوان «وجهات نظر»؛ فيها يعبّر الشاعر، بأسى الساكت إزاء المشهد العراقي - الذي يراه الجميع- عن دموية الاختلاف والخشية المتبادلة بين المختلفين:
هو يَرى أنّ قدمي..
تنسلّ تحت دمه..
وأنا أرى أنه يدوس قدمي..
كلانا يخشى خطوة الآخر..
هذا الشكل من أشكال الاختلاف المأساويّ في «فهرس الأخطاء» أو المكابدات العراقية، يقابله الجابري بحقيقةِ كونـِهِ شاعرًا متفقـًا مع ذاته، ومع داخله المتجه للمرأة- الزوجة والأصدقاء؛ فلا تشي قصائده بتشظيه على نحو شخصي وذاتي. غير أنه مختلفٌ، مع الآخرين، حول قراءة الأثر؛ حيث يتطرّق إلى الاتفاق والاختلاف في قصيدة معبّرة تحمل عنوان «مُخلّفات»:
كنا متفقين في بداوتنا الغضه
ومختلفين حول قراءة الأثر.
(……………………)
لم نكنْ متفقين على تكسير ساعة الرمل
وإراقة أوقاتنا
ولم نكن مختلفين على نسب الخيول
لذلك وضعنا قبعاتنا
ورفعنا رؤوسنا
ومضينا
نهزأ
بما اتفق
عليه الرواة.
وعليه، يمكن اعتبار «فهرس الأخطاء»، عنوانـًا وقصائدَ، كتخطيط أوليّ لمأساة الشاعر، وذلك تحويرًا لعنوان القصيدة الأولى: «تخطيط أولي لمساء الشاعر»، والتي تعقبها قصيدة «Valentine»، وقصيدة «أغنية الشتاء» وكلتاهما تصدران عن شعور بسيادة اللون الأحمر المتعاظمه بين وحول العاشقين والأثر، لدرجة شحوب الورد المتبادل. وبالتالي، في الحزن والغربة تتخلل «الأغنية» تجعّداتٌ وتعطّلُ مصابيح شوارعَ تهاجر إلى غرف النوم، أي لجوء «غربب يموت من البرد في جنبات الفصول» لوضع رومانسي، في مساء شتائيّ وبارد. إذ ترقى القصائد لإمكانيات الصورة الشعرية الموحية والواخزة بحميميتها وبمنطق بحثها الشعري عن الوطن، لدى شاعر مغترب، يتعلّق بالتذكارات والصور.. «يعبّىءُ رأسَه بالقناطر ويبتكر الأنهار»، ويعبْر إلى وطنه مِن «صورة القنطرة المعلقة على جدار المقهى (باحثا عن الماء) ربما في غيمة متآكلة/ وربما في عطش القطيع/ يرنو إلى صورته تتكسر في التماع الطين» .. ولكنه، في قصيدة «عابر وطن»، يقول:
يعبرُ البلاد
لا من أين ؟
ولا إلى أين ؟
تلك مرآة تقطعتْ بها سبلُ الضوء
ومضتْ تبحث عن النار
في رماد أبنائها.
القدس العربي، الجمعة 9 أيار (مايو) 2008

فهرس الأخطاء للشاعر عبود الجابري- د. لؤي حمزه عباس

"فهرس الأخطاء"
للشاعر العراقي عبود الجابري
_________________________________________
د. لؤي حمزة عباس
للشاعر العراقي عبود الجابري صدر عن "دار أزمنة"/عمّان، ديوانه الشعري الأول بعنوان (فهرس الأخطاء) محتوياً خمسة وعشرين نصاً شعرياً سعى الشاعر من خلالها لإضاءة تجربة تجاوزت العقدين في مواجهة النص الشعري والاحتفاء به وهو يمضي، في حركة سريّة، من الخاص إلى العام، ومن الذاتي المنشغل بتفاصيل الحلم إلى الموضوعي في مراقبته الحرّة لوقائع الحياة وقد شكّلت مادةً أثيرة للانتقال بالنص الشعري إلى مساحات جديدة.
لم تكن الصورة في ديوان عبود الجابري "تماماً كما حدث"، ولم تراقب في تشكّلها البنيوي " بلاداً تضيق بأهلها"، لتجترح من الإنسان، المثقل والحزين "عابر وطن"، لكنها استعانت بمراجع عدة لمقاربة التجربة الإنسانية في خصوصيتها الغنيّة ومعاينة بعض من تفاصيلها، ابتداءً من السيرة الموحى بها لـ " الظليّل" وهو يقود التجربة إلى جبال مقترحة لمواجهة عملية إنتاج النص الشعري، وصولاً إلى "فهرس الأخطاء" نص العنوان باحتمالاته التي يتوزع الشاعر فيها، في نداء حميم، على الضواري العليلة:
.... اقتربي أيتها اللبؤات العليلة
لك في لحمي
فراسة المخالب
وشغف الأنياب المسنونة
اقتربي ....أيتها الضباع الحزينة.
مثلما يقترح النص تفاصيل التجربة اليومية مجالاً موضوعياً لإضاءة الفعل الشعري عبر لغة تشتق من فهرس التجربة نفسها خيار بلاغتها وتؤمّن فاعلية علاقاتها، حيث يكون النص بياناً للعلاقات الجديدة وفضاءً متسعاً للحظات شعورها البارقة، وهو يعيد، على نحو ما، تسمية الأشياء بما يُضيء مفارقة وجودها في الحلم والحياة:
حبل:
يحمل رسائل البئر إلى السنبلة
ويحتفي بالغسيل الطازج..
والرقاب الطريّة..
الأمر الذي يدعو الديوان لإغناء مساحته النصيّة بالسوانح، والاستدراكات، والإحالات، والاحتمالات بوصفها فضاءات مضافة قبل أن تكون مناورات تقنية تعزز من قابلية الحوار التي يديرها النص الشعري وهو يستجلي تجربة وطن مثقل بأعباء أزمنته.
إن ( فهرس الأخطاء) عمل شعري ينحت قدرته على لإصغاء للخفي، وغير المعلن، من الأصوات

الأحد، 4 يناير، 2009

لقاء مع الشاعر - جريدة الدستور

عبود الجابري : القصيدة صراع بين ذات مكبلة بالشعر وذوات تنزع نحو التحرر



الدستور - عمر ابوالهيجاء

الشاعر والمترجم العراقي عبود الجابري من الشعراء العراقيين الذين أسهموا في المشهد الشعري العراقي والعربي ، صدر له في الشعر: أراجيز الوحشة ، فهرس الأخطاء ، وله تحت الطبع: قمصان - مرايا شعرية ، وغيوم ورقية وله ترجمات متفرقة لنصوص أدبية عن الإنجليزية ، والشاعر الجابري يقيم في الأردن منذ العام 1993 ، في هذا الحوار نتعرف على جوانب عدة في تجربته الشعرية والغنائية.





ہ لكل شاعر نقطة احتراق أولى ، متى سحبتك القصيدة إلى احتراقاتها؟



- ليست هناك نقطة احتراق أولى ، وإنما هناك شرارة كامنة تحت رماد يتلظى ، شيء ما كنت اشعر به يأخذ بالقلب حتى أعالي الحنجرة ، منذ أدركت طوابير النساء اللواتي كنّ يخترعن الإيقاع لأحزانهن في مدينتي ، منذ كنت طفلا أرى ذلك التناغم اللامرئي بين فوضى الحزن الذي كان يخيم على البلاد ورتابة الدموع التي كانت تسيل ، وقتذاك عرفت أن كائنا ما يستطيع أن يقول ما لا يستطيع أن يفعل الآخرون ، فسجدت لكينونة الشعر والشعراء الشعراء.



ہ بعد مجموعتين شعريتين ، ماذا تعني لك القصيدة الآن؟



- حتى لو سألتني - بعد عشر مجاميع شعرية ماذا تعني لك القصيدة ؟ - فستجدني ابحث عن الجواب مستريبا ، حذرا أسأل نفسي هل أنا شاعر حقا ؟ وهل يستحق ما اكتبه كل هذا العناء؟ .. أن أكابد ألم القصيدة حين أتنازل عن الشعر لصالح الحياة ، وأن تلقي بك الحياة أرضا حين تغفل عنها لصالح الشعر ، هكذا تبدو القصيدة الآن : صراع بين ذات مكبلة بالشعر وذوات تنزع نحو التحرر من الحاضر إلى الغد بأقل قدر من ماء الوجه المراق .



ہ القصيدة العراقية معبأة بالمادة التاريخية والتراثية والأسطرة: إلى أي مدى أفدت في ذلك في شعرك؟



- التاريخ والتراث والأسطورة ، جميعها مكونات أساسية للطين العراقي ، وحديثا تكونت لدى العراقيين صور استثنائية خارقة لتاريخ مخضب بالحروب التي لا تنتهي والدم الأخضر النافر من بين أصابع أيديهم التي تتصافح ، وصارت لهم أيضا أساطير معاصرة ، أكثر ميتافيزيقية من الأساطير التي توارثوها عن أجدادهم ، وأنا حبة تراب من طين العراق ، والقصيدة عندي دائما تحمل إحالاتها إلى ذلك الطين ، لدرجة أني حين أحاول كتابة نص ذاتي أجد دون وعي مني أن تلك الذات قد انحرفت صوب ما تشظى داخلها من شخوص التراث وتجلى ذلك في المرايا الشعرية التي أسميتها - قمصان - حيث حضرت فيها المدن وظلال الطغاة وصور أولى العظمة في التاريخ .



ہ كيف تنظر إلى القصيدة العراقية في ظل الاحتلال ؟



- لقد كرس الاحتلال لدى العراقيين انشغالا يوميا بالموت وتفاصيله اللامعقولة ، فصارت القصيدة تتغنى بما هو مفقود من جزئيات الحياة ، وذلك في اعتقادي أمر خطير ، رغم أنه يؤدي إلى إنجاب نصوص لها تأثير فني مغاير في تاريخ الشعر العراقي ، فصار للقصيدة العراقية عدة مشاهد : مشهد المختنق الذي يحاول أن يغني ، ومشهد المتنفس الذي يغني على (ليلى) غريبة لا تشبه العراق ومشهد آخر يمثله من حملوا تأريخهم ومضوا يحاولون تجميل السواد الذي اعترى صفحاتهم حين كانوا يمسكون بتلابيب الثقافة في العراق .
Date : 24-12-2008

الجمعة، 2 يناير، 2009

فهرس الأخطاء

فهرس الأخطـــاء





إلى مطر السنوات العجاف شادية أبو عماشة











تخطيط أولي لمساء الشاعر


مساء..
سيقعي المساء على أربع ثم ينجب أيتامه
يقلب كفيه ذات اليمين.. وذات الخواء
مساء يفيض به الريش
يستمنح الخيزران المدى
ثم يذعن
إما تلونا عليه دما أفرغته القرابين من سكره
أو رسمنا على ظله وطنا
ترعف الريح أحزانه
.........
...........
هل ستكفيك عشر أصابع..
تحصي بها ندوبا
في ظهور ملائكة ذابلين....؟؟؟؟









Valentine


بيننا....
ما لن يكون
زقزقة مبحوحة
وعصافير تؤمّ أعشاشها
خالية الوفاض
بيننا....
ما ينسدل من قرطيك
على شرفاتِ عينيّ
وما ترثُ المقاعدُ
من قميصك
ربّما... هدبٌ تساقط من عينيك
غداة اكتحلتِ...
أو خيط يهرب من شالك الذهبي
بيننا....
شحوب الورد...
بانتظار حمرةِ الربيع المؤجل
منذ ثلاث حروب....
فلا تحزني....
كلّ شيء حولنا أحمر....
عيون الأمهات....
ونشرة الأخبار.....
والشفق الذي كان قرمزياً....
..... حولنا الرمل .....
الذي تتقاذفه الريح....
... قلم الخليفة.....
وأيدي العمّال في أقاليم البلاد
الذين يفركون عيونهم... سأماً....
ولا يدركون
أن المرايا تلونها العيون....
أحمرٌ..... كل ما حولنا
فلا تحزني....
ثمة أنت...... وأنا....
وترابٌ احمر....
تلوذ به
وردةٌ ....حمراء
تنتظر ارتعاش يدي
وشحوب......
الرصـ........................................................ـاص.


14/02/2007







أغنية الشتــــاء
ـــــــــــ



الشتاء ثانية ...؟
لكأني ابحث عن دثار من النار
او حفرة في تراب المدينة
كي تذوب الدبابيس
التي انغرست في أصابعي
فهذا شتاء لا يعرفني
لذلك..
تقشعر النوافذ فيه
وتصطفق أبواب الرغبة
في نار دافئة
تسكن أضلاعي
وتذيب الثلج المتراكم في منعطفات الروح
شتاء لا اعرفه
يجعد جلد البرتقالة
ويفرح بانجماد الضوء في المصابيح
, ريح تمعن في مديح الغبار
وشوارع تهاجر الى غرف النوم,
وسماء تفتش جيوب السحاب
, وغريب يسافر
في هشيم العناق على لهب المدفأة
وانحباس يديه في يديك
وتكاثف الظلال في المرايا
.... غريب
يموت من البرد
في جنبات الفصــــول


المتاهة



إلى الشاعر سعدي يوسف




لم يكن يتقن لعبة المتاهة
اخطأ في رسم الحبل
فسقط في بئر من الخرائط
وتدلت فوقه
أسماء المدن العتيقة
والبلدان التي تنفر من رائحته
لم يصفق ..
خشية أن يجرح مسامع اليمام
ويخدش كبرياء عشب
ينمو بين أصابعه
هو متاهة آخرين
ودليل الإبل التي تمضي صوب البيادر
لا يحمل بين فكيه
سوى لسانه الأسود من فرط البطالة
وآية الكرسي
وحروف أتعبه رسمها على الجدران الناشرة
وهو لا يحمل في جيبه أيضا
سوى ورقة عدم المحكومية
وإذن خطي
بالاحتفاظ بآية الكرسي
وهو متفق مع ذواته
حد انه ينام على ذراع زوجته
ويقرأ موجز الأخبار في عيون بنيه
وهو مقتصد بحلمه
يرى الشمس عنقودا من المصابيح
والقمر ثلاثين هلالا
ويرى في السنة الكبيسة
يوما آخر
بلا رصيف لين.....
...........
هو إذن .. متاهة نفسه
وحيرة العابرين على جسده
تشرب وجهه الشوارع
والمقاهي
والمخافر
والأسلاك الشائكة
.. ودكاكين الكلام
وهو بلاشك ..
من الرواة الذين يؤثرون النهايات المفتوحة
ولديه من النهايات
مالا يجد له بدايات في ذاكرة الهدهد ؛
- نهاية الرأس بين يدي الفكرة
- نهاية الشراع عند الانقلاب الشتوي للصحراء
- نهاية القبلة لدى سماع أذان الفجر
- ونهاية الحبل المرسوم في المتاهة
.........
غير انه هنا
يبحث عن نهاية أخرى
_ يحلم أن لاتكون مفتوحة جدا _
لبداية نحتها الرواة في صحاحهم
واشتعلت في المتون
وطنا ,,
يأخذ شكل المتاهـــــــة ...


عمان
18 /12 /2006









بطولات

ومهما يكن ...
فانا سيد المتعبين
اذا أقفرت من رفيق ذراعاي
لي حين يحصي المرابون أمجادهم
والمراءون آمادهم
_ مطر عالق في سقوف الغمام
وسيدة ,, صرت اخصف أحلامها
عندما انحت النوم
في مخلب الليل
لي
في احتشاد الرواة
لسان صموت
واذن اجفف فيها الكلام












تحّولات الغرفة


في الصباح ,,
دم الصمت اخضر
والباعة المتجولون يمدون أصواتهم
_ يا لهذا الصدى _
ثمة امرأة تتسلى بتقشير أغنية في الممر المجاور
,, يصحو,,
يقشر سيجارة ,, ثم يحلم..
,,, تسعل ,,,
يطفئ صورتها وينام

******
في المساء:
_قليلا من الصمت .. لو تستطيعون كي أتبين ما سيقول المذيع
• مجلس الأمن.... ؟
- هل لدينا من الخبز ما نتعشى به ... ؟
- ربما تمطر الآن في قريتي ....
- لا علاقة لي بالقصائد والشعراء...!!!
- أراها فتبتسم ...
- الحرب.... ؟
- دعنا من الخوض في مثل هذي المواضيع..
- ثم انك تفرط في الشرب.....
- لو يغسل البعض أقدامه قبل أن نغلق النافذة ...

#######
عند منتصف الليل ..
يغدو الجدار مشانق للحلم والأردية..
المنافض ملآى بما أطفأ الساهرون من الكلمات..
... يرى في تقاطيع أجسادهم ..
ما تبقى من الخوف
قد تتدلى من الانتظار أعنتهم
فيولون أعينهم
شطر همهمة في المقاهي .. وتلويحة للبلاد
ولكنهم فتية طيبون
يداهمهم في الليالي سبات الرضيع
وآيتهم عندما يسبلون متاعبهم ..
أنهم ربما ..
(( يصبحون على وطن )) +

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* محمود درويش




خلل طـاريء



ليس الأمر على هذه الدرجة من السوء
فأنت تملك من الوقت
ساعة حائط مريضة
وأهداب امرأة
تتسلى بتدخين أيامك المغلولة إلى يدها
تملك الأرض كلها
عندما تقشر نشرة الأخبار
ولك من الجغرافيا
أطلس حافل بتضاريس الحنين
ولديك ورق ابيض
متأهب للبكاء
ليس الأمر سيئا كما تظن...
فمادمت قد أنفقت يديك
في التصفيق للمهرجين
وراسك
في التلفت صوب ما تبقى
من حبال الأرجوحة
مادمت تغرق
وأنت تعرف أن قاع البحر
ليس قريبا كما يجب
وانك لاتملك صندوقا اسود
يمكنهم من معرفة الجمل الأخيرة
فإنهم
سيحمدون الله كثيرا
عند العثور على شظاياك
ويكتفون بالقول
إن الأمر
لم يكن على أية درجة من السوء




عمان /2004















عابر وطن






يعبر دجلة..
يده مروحة معلقة في كتفه
وعيناه تسيران على الماء
توقدان نار الأسماء المفجوعة بحروفها
ياه .. يا للموقد المقدس
فاقتنص شرارتك الأخيرة
وامض إلى حيث يموت أسلافك من البرد
وحيث تموت أسراب النمل على خيط من العسل
المعلق .. بين دجلة
وجسر الشهداء
كم جسرا يلزمنا للشهداء..؟؟
اقتنص موتك المبارك
حيث دجلة والماء
و ظلال الزورق الأخير
@@@@@@@

يعبر الفرات
تنغرس قدماه في رماد النهر
فيبحث عن الماء
في صورة القنطرة المعلقة على جدار المقهى
ربما في غيمة متآكلة
وربما في عطش القطيع
يرنو إلى صورته تتكسر في التماع الطين
وينصت إلى ما ترك الصيادون على الجرف من أغنيات
يعبر الفرات
ركبتاه تغوصان في قيامة النهر
.. السمك النافق
والنوارس اليتيمة
والصدى في الجرار الفارغة
يعبر الفرات
رأسه يغطس حتى القرارة
لكنه لا يستغيث
@@@@@@
يعبر البلاد
لا من أين ؟
ولا إلى أين ؟
تلك مرآة تقطعت بها سبل الضوء
ومضت تبحث عن النار
في رماد أبنائها



مخّلفــــات





إلى / الياس فركــوح




متفقون على مرآة واحدة
نخدشها بوجوهنا..
ونسكب عليها بيا ض أسناننا
ونمد ألسنتنا..
هازئين بما اختلف عليه الرواة..
......
نرفع قبعاتنا وننحني
كي تمر الريح بسلام
ونعتذر عن الترنح في شوارع طفولاتنا..
لماذا تبدو الشوارع محروثة....
والنهر احمر....؟
-لماذا يكتب العابرون أسماءهم
على سور المدينة..
أو على ما تبقى من جذوع الأشجار......؟
…………
كنا متفقين أيضا
على حذف هوامش التاريخ
وتسمية الوليد القادم
- والوقوف عمرا كاملا

تحية لأرواح بعض أجدادنا


............

غير أنهم كانوا يجادلونني
حول الدمعة التي لم تصل بعد
وحول خفقان قلبي الصارخ
عند تصفح جواز السفر

....................




من اجل ذلك
وهبت لساني مئذنة للدعاء لهم
وأطلقت ذاكرتي للريح
وغنيت على ليلاى
...........
فمنذ تحية العلم الأولى
وأنا ارسم السما ء بلون الدم
واترك البياض لا سماءهم
واضع يدي على قلبي حين يرفرف
عند تراقص الرياح
.. أضع قلبي على يدي
لكي اعد المسامير التي علقوا عليها عناوينهم
- بضعة رجال..
وغيمة ظللت حبل الغسيل
فنسيت أصابعهم مبتلة على قميصي

لذلك
كنا متفقين في بداوتنا الغضة
ومختلفين حول قراءة الأثر
مثلا//
**اثر القنبلة: بئر من الأجساد . أو نكاية بالدلو المعلقة على النافذة.
• ** اثر الدبابة // حتى نعرف لماذا يبدو الشارع محروثـــا



*** تاريخ القبيلة// الناس هنا عابرو حياة.
لذلك يكتبون أسماءهم على أسوار المدن أو على جذوع الأشجار..

**** تعريف الحرب///
الحرب لون النهر الأحمر
أو دم الكتب التي رحلت صامتة
وظل حبرها عصيا على الذوبان

...........
.....................

لم نكن متفقين على تكسير ساعة الرمل
وإراقة أوقاتنا
ولم نكن مختلفين على نسب الخيول
لذلك وضعنا قبعاتنا
ورفعنا رؤوسنا
ومضينـــــــــا
نهزأ
بما اتفق
عليـــــه الرواة








ملصقات



متصاب
--------
لم يعد يتسلق أيامه
ليطل على حلم أهمله
.. حافيا .. يقتفي طيلسانا ترجل عن عمره
ويغني…
فتسقط – در داء –
من بين فكيه أغنية
لا تطيش لها أذن سيدة
كي يعانق آخر إبحاره .. أوله ..





نرجسية
______

لأن صوته .. يشجيه في الحمام
راح يحدث الجلاس
عن محاسن النظافة


ارق
____

لاينام على ظهره
خوف أن يبصر النجمة الآفلة
لاينام على وجهه
خجلا من مصابيحه الناحلة
.. تسكن الأرض خاصرتيه نزيفا
فيبحث عن نومه في ركام هواجسه
وينام….
لتبرد في صدره
طلقة قاتلة..




تجريــــــــد
_______

حين فرطت ضحكتها
في إناء الكلام
احرق الشعر تيجانه
واكتفى بالهيام


تشرذ م
____
للشتاء يخبيء دفء العناق
للعناق ..
يخبيء برد الشتاء
حين عاد .. ليجمع ما خبأه
لم يجد وطنــــــه …





الطريق
_____

لكي تخون ألمملكه..
لا بد ان تصحو على غنائك الجراح
وتختبي في كل جرح .. ملكــه


تبريـــــــر
_______

منذ عامين .. كانت تحاصر غلواءه
وتسير معه
كلما لمحت في قصائده امرأة
سألت : هل أنا في الرؤى ألمزمعه ..؟؟
فيجيب : أتهدى القصائد سيدتي ..؟
كيف يهدي امرؤ لا مريء وجعه …؟؟؟





مواطنــــــة
_______

في الطريق إلى وطني
ما تعودت أن انتشي
ويغني سواي
في الطريق إلى وطني
كنت دوما شهيدا
وكان الزمان صداي








أسانيد مهملة



سواء علينا..
أكنا نقلم أظفارنا.. ام نحك بها الريح
ليس لنا غير انشوطة لاقتناص المواعيد
_ ما قاله الغجري انتبذنا به ذيل أغنية
واقتفينا حداء القوافل
كانت قراطيسهم وطنا..
والهوادج سلسلة من أسانيد
لم ترتعش لمرور الأصابع فوق تضاريسها
......
.........
(( تخلد الآن سيدة للبكاء على طلقة في أقاصي المدينة
او قبلة عند أدنى اللهاث ))
وأنا
لم ازل أتهجى رماد المدينة
أسعى لخلع النياشين عن صورة في الجدار
واحلم بامرأة
لا تجادل في النحو او في البلاهة
قد نستعير نهارا نناقش فيه الحروب
ونأوي الى حجج البالغين لتفسير أخطائنا
.... وننــام ..

*********

اسناد الرائي /
كلهم عبروا من سياجك نحو مجاهيلهم
فاتخذهم لقى..
ومشط شعور بنيهم اذا اقبلوا..
حين تعرى يداك
من التمر والأسئلة ..

************
هكذا سيظل الكلام
قرين أسانيدنا المهملة....









أغنية غجرية

اجل .. كنت بين دعاء ابي والسماء صبيا
بكى ، فافتدته النجوم بعشرين ثديا .. ليكبر
، حتى استطالت ذراعاي
اصنع من نجمة ..نجمة
شرفة لانهمارك
وابتعت ليلا .. أعبئه بالشموس
فلما استويت على راحتي
كبرت..
وما عاد لي غير ذكرى صبي
بكى ، فافتدته النجوم
وهاهو يبكي
فيبصرها ترتمي في هوى صبية آخرين










أمـــــــّــي


لم تكوني هناك..
كانت الأمهات يمشطن شعر التراب
ويسعين بين الصفا .. والمرارة
كنت أرى وشم كفيك يوميء لي
فأحث الخطى
واراك نمدين قلبك صوب عيوني
كأن المسافة بيني وبينك
تخبو .. فتنهمر الروح
أنت هناك ..
فمن سيوسدني راحتيك
ويهمس .. امـ ..............اه
لامدن العالم المشتهاة
ولالغة في أنين الرعاة
باتساع عباءتك..
فاحمليني,,
فقد تعبت هذه الأرض من صخبي
وجرحها خيزران الطغاة
.. لم تكوني هناك
فكوني هنا
عند مفترق الدرب
وامنحيني صلاتك
أو هدهديني ..
فقد شاب مني الشراع
وها انذا مبحر
مثل جذع يتيم
في عباب الحياة

















بلاد تضيق بأهلها
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
ـ لعمرك ما ضاقت بلاد بأهلها
ولكن أحلام الرجال تضيــق

عمر بن الأهتم

بلا أمهات
نكبر ..
ثم نلقي السلام على الشرطي الأخير
ونخترع المراكب
والبحر
والقبطان
نسرج ما تبقى من الخيول الهزيلة
ونبتعث مدنا مهادنة
ومواقيت صلاة
من ساعة معطلة في سماء بغداد
ليس لنا
سوى العمر الذي لا يأتيه النوم
من بين يديه
ولا من خلفه
نحمل ما دسسنا في جيوبنا
مما لم تأكل الهوام
• نار المحبة وجنة أهلينا
• القلوب التي تصل بين ضفتي النهر
• ومروحة سوداء من سعف محترق
نحمل الترنيمة الداكنة
والوتر المر
نحمل الخراب والتراب
نحمل الرصيف المدجج بأسماء الراحلين
نحمل السمك الذي يكتب وصاياه للنهر
نحمل شوارع
تبحث عن أعمدة الكهرباء
وقتيلا يشاطر قاتله الحزن على البلاد
وسماء تتراكض في ساحة المدرسة
نحمل الحروب المتعبة من دماءنا
والرصاص المعبأ
في ذاكرة الأمهات
نحمل جوقة حزينة من المنشدين
ونايا يحشرج في أضلاعه الأنين
نحمل النخل الأشعث
والطين المنكسر
..............
نحمل الخارطة المهترئة
ونمضي
باتجاه كرة أرضية
جميع مافيها ينثر علينا أسماله
,والسؤال المعتق
بلسان عربي مبين
أيها الناجون من بلادكم ..
إلى أين المفر....؟؟؟؟










رحيل

الورقة الساقطة .. قيلولتهم
هكذا أعلن إذعانه ؛
ومضى يقلب السماء غيمة .. غيمة..
عليكم بتأجيل الصحراء أيضا ...
فالبنادق المعدة للصيد ..
تواريخ محشوة بالقتلى
والدليل انهم لم يملأوا جيوب بنيهم
بالوعــــول .....




على مشارف التأويل
_________________________




تأويل المنــــزل

على عتبة الباب
تمسح الشوارع عن قدميك
والوجوه من راسك
وتنتبذ جرحا فتيـــــــا
** اسكت يا ولد
فثمة شوارع تتربص بك
وسماء دافئة تسكن عينيك
** ابعدي البنت عن المدفأة
........
ثمة نخلة يحدودب ظهرها بانتظارك
وجسر يعبره الصبية
فيسقط اسمك في النهر
*** ماذا أحضرت من السوق ..؟؟
ثمة أخطاء
لم ترتكبها بعد
وثمة سرير ما يزال مبعثرا
وأوراق طرية الحبر
ثمة أصدقاء عالقون على شفة الموت
وآخرون لم توقظهم بعد
ثمة أنت هنـــاك
تمدد ساقيك
وتنهر أبناءك
كي ينهضوا
مسرعين إلى المدرسة



تأويل النافذة

الستارة السميكة
والزجاج المظلل
والشبك المعدني... ؟
..........
...........
كيف إذن سأفتح على العالم نافذتي
وأمد رأسي ؟؟؟
كيف سأوميء للعابرين
واصطاد فراشة شاردة؟؟
كيف سيرى جاري
جلبة الأضواء في بيتي
كي يعرف إنني مازلت في الحياة ؟
كيف سأعرف وجهي خلل هذه النوافذ الكسيحة؟
بل كيف سأسرق باقة ضوء
من قمــر .. سلبته النوافذ تاريخه ؟
وإذا ما مت
فكيف لروحي أن تصعد الى بارئها
وهناك ثمة ستارة
وزجاج مظلل
وشبك
وأرواح متزاحمة
وغبار كثيــــــــف ؟







\








أسلاك شائخة

لا ا خطيء تلمس السماء
اعرف أن نومي وديعة الساهرين هناك
لكنني أطلق الفناجين على أسمائهم
وأغفو مثل حجر يبكي
بالعيون التي تتناثر من الرأس
_ رأسي الذي يغص بالحروب ...
يترصد الخراب بمجسات من جمر
, بينما اخلع المرأة الملقاة على عاتقي
وأمضي
لي صدأ أصابعي
وغثياني لامع
_ تصدأ النياشين ,, فالمع النسيان _
إكليل من الصمت
اريق أقفاله على القرى
وانهش البرد بأعضائي
أتوسد الخرائط ... فتنبت على خدي الطرقات
أتوسد يديك
فتنطفئين في رمال الرأس
لذلك صرت اعرفهم :
• رعويون..
يغتسلون بحليب الحكمة
• أ ميون ..
يرقصون مساميرهم على جلد الكلام
• حطابون ليليون
.. بسلالم من ورق
• ...........
اعرفهم ساعة انطفائك في رمال الرأس
فلا اخطيء تلمس السماء
لي نومي الرث
اتسلقه حلما ... حلما
واصعد
لكي اختصر الأرض















الضلّيل

سترين على البعد.. نصف الشراع المهلهل..
هل قلت نصف الشراع....؟
ولم استطع مد أرجوحة في الهواء المعلق بيني وبينك
هل كان بيني وبينك محض هواء.... ؟
رداء من الخز يستر عوراتنا
وتواريخ محمولة في الحقائب
لم انتبه لقبائل شعرك., حين كتبت الليالي على جثة اللوح
كنت وحيدا
وكانوا .....
.................. ؟!!!!
******
تماما كما ينبغي لجدار..
سأحمل هذي المسامير
ابحث عن راحل يتفيؤني
وأقول لأهلي ( سآوي إلى جبل .... )
وأمد عصاي ,, أشير إلى الغيم
أو أتطلع نحو أبي
حين يقتات حكمته
ثم يوزعها في غوايات أبنائه
-تضحكين .... ؟
واضحك ..
في جبتي وطن من بكاء
******
• سوانح من ضمن المتن

-لم أجد في القصيدة متسعا للوشاية
- نصف سيدة تتوعدني بالمحبة ..
-ليس أبي من يعمد حكمته في غوايات أبنائه.. فأبي مات
من قبل أن تدرك الحرب أمي فتختصر الدرب بين
الترقب والموت..
- لا نستطيع التحدث عن كل شيء ,, هكذا يبدأون رسائلهم
من هناك ...
- حين أدركني السحر كان المصلون يفترسون التعاويذ,,
- ......... يا يمــــــــــــه ...

********
استدراك /

لم أكن نائما عندما أذّن الموت في بلدي
.. كنت أسعى لتأجيل قنبلة
تطفئ الروح في جسدي



** ملحوظة : متن القصيدة محذوف لأسباب تتعلق
بضيق ذ ات اللغة .



أميـر البسملات


إلى شادية


فرحين بما آتانا الله ..
نسبل رؤوسنا على خارطة السبات
ونتلو قصار السور
وماتيسرمن الأمنيات
ونجهر بأخطائنا
(( ربنا لا تؤاخذنا .. ))
حين نقسم بخسائرنا
ونفيء بأولادنا إلى جرة الصمت
أولادنا الذين يعقدون ألسنتنا
ويمهرون وجوهنا على شهادة الميلاد
ويمضون الى سحرة اخرين
….
أنت وأنا إذن
أجنحة مؤجلة
وتمائم ذابلة
لذلك ..
اشعر ان العمر قصاصات
وارى عينيك كتابا
ويديك شراعــا
فأبحر طويلا..
في فوضاي .. وفي ذاكرتي المسلوخة
اشعر أن الأرض ضيقة
وأن العصافير التي تختبي في رداءك
يجرحها .. خاتم ارتديه
وباب يئن على ناصية الليل
وسعال يخشخش في صدري
يجرحك انسكاب الليل في المرايا
وحفيف يدي على وبر الفراش
……..
يجرحك قميصي المتغضن
وصلوات الورد في كل الجهات
وتجرحك البوصلة
وأنا أمير البسملات
التي أقشرها على جهاتك الطاغية
احمل رعويتي
وبدائية الخزف المتكسر في صوتي
احمل عصاي
وأقود قطيع انكساراتي
وامضي صوب الشمس المخضبة بمراياك
.. استعير ذاكرة الأمشاط
التي تحدث عن شعرك
وعن عاشق مصاب بك
مصاب.. بأبنائه
الذين يمضون بقمصان آباءهم
إلى سحرة آخرين


بينلوب

مثل ضوء مددت يدي
وتوهمت أني طرقت النوافذ
حتى تورد ظهر الزجاج
مصابيحها نصف مغمضة
وهي غافية...
منذ جيلين.. تغزل أحلامها
بمغازل من ذهب
كي تحوك الرداء الأخير



















تماما كما حدث


ما حدث لاحقا..
انه راح يجمع بقايا المدن المنهكة...!!
خارج السور..
يقفل أعضاءه.. ويفتش عن السماء..
السماء التي لم يرها منذ زمن بعيد؛
فاتهم جسده بالانحناء
وعينيه بالعمى
خارج السور دوما
جناح مؤجل للطيران
وريح تكنس المدن عن الخارطة...
نهار أعرج..
يعتذر بارتباكه عن تكاسل الشمس
وقطيع من الظلال..
يمشط بأقدامه الغبار..
* في المنعطف الأول.
رجل بذاكرة عارية
يثقب جيوب بنطاله بيديه..
يتحسس الماضي
ثم يلوذ بخساراته


*هكذا:
_ سيقلم أظافره ليستغني عن مشطه الادرد
_ يمنح المرايا لحيته في العرض الأول..
_يعترف أن البرد في غرفته .. نساء مؤجلات..
_ يستبدل القميص الناشب في أضلاعه بالماء
...............
..................
............
خارج السور أيضا
مقهى من اجل تكرير الجنون
جامع الأهلة _ بلا أعياد _
يقترح شاحنة بلون آخر
كي يمسك أذيالها بإصبعه اليتيمة
يعبيء رأسه بالقناطر
ويبتكر الأنهار..
$$$$$$$
*في المنعطف الثاني:
امرأة تتشظى في مرايا القتيل
$$$$$$
المنعطفات تتناسل خلفه
كما خطوات الغريب
لم يكن رأسه سوى خوذة محشوة بالقصائد
وما حدث لاحقا.. أنهم وجدوه
يفتش في بقايا المدن المنهكة
المدن التي أخطأتها الريح
عن امرأة ,, وجدار ....









سقــوط






تسقط الريشة
من يد الرسام
أو من كبرياء الديك
يسقط اليوم
من تقويم العانس
تسقط أخر امرأة من آخر وتر في القلب
وربما تساقطت أضراس المغني
فأطلق لحنجرته عنان البكاء
يسقط الأصدقاء القدامى
من جيوب المحبة
تحت ذريعة ضيق الوقت
يسقط الوطن من الخارطة
تحت ذريعة النوم في المخابيء
والاحتفاظ بحق الرد في الوقت المناسب
يسقط المطر
بحجة نحول الريح
تسقط الأغاني...
على لسان الأخرس
والشمس في عيون الأعمى
ونحن أيضا
نسقط كل يوم في البئر ذاتها
ولا يتبعنا
سوى صدى أصواتنا
ونحن نهتف
يسقط ال.....
يسقط ال.......
يسقط
يس.....
ي..........



عمان/2004

























ما تساقط من منقار العصفور
********************


إحالات




تكريم

أيها الشاعر.. مت
مت.. فقط
لكي نسمي شارعا يحمل اسمك..

تطاول

سقط على ظهره فجأة..
كان يطيل النظر إلى الأعلى..

أولاد

نلاعبهم.. فيلعبون بنا
وأعمارنا ولائمهم الضاحكة..

كلب

لا تنبح..
فالقمر..
ليس قريبا إلى هذا الحد..


امرأة

تختلس النظر إلى المرآة
وتستغيث بحقيبتها..

باب

افتح الباب..
افتحه..
افتحه على مصراعيه..
احتفالا بموت الريح..

مأتم

شكرا للفقيد
فقد منحنا قلبا ذاكرا..
ولسانا شاكرا..
وخيمة نحشوها بالنميمة..

خريف

التفت إلى صباها
هذه الورقة.. كانت خضراء..

حبل
يحمل رسائل البئر إلى السنبلة
ويحتفي بالغسيل الطازج..
والرقاب الطرية..

وجهات نظر

هو يرى أن قدمي..
تنسل تحت دمه..
وأنا أرى أنه يدوس قدمي..
كلانا يخشى خطوة الآخر..

كرسي
تقصر قوائمه..
فيصير نعشا..

أصدقاء
ضالعون في النسيان..
وأسماؤهم طي الذاكرة..


تمارين صوتية

- الخليفة.. وعشيرته الاقربون.
- صاحب الشرطة.
- المدير العام.. وخادمه.
- الجارة المطلقة.
- سائق الحافلة الذي لم يتناول قهوة الصباح.
- النادل.. مفتول العضلات.
- والولد العاق.
جميعهم.. يسكبون ضجيج حناجرهم..
في آذاننا..
بينما نشغل المجالس..
في رواية ما فعلناه بصاحب الشرطة..
والمدير العام..
و آخرين لا نستطيع ذكر أسمائهم الآن






















فهرس الأخطاء
__________________

احتمالات



وأنا أسكب لكِ القهوة.....
ربّما ارتجفت يدي
وابتلّ طرف الحصير.....
ربمّا دون قصدٍ.
تعثرت بفكرةٍ
وشخصْتُ بطرفي
إلى غيمةٍ في سماءِ البلاد
ربّما أذعنت لحمرةٍ تشوبُ وجهي
في غياب مدنٍ تتراقص في ذاكرة النار
أو في حضرةِ دائنٍ عجولْ....
ربّما تأخرت في النومِ
بعيْد شروقكِ
كي أعيد رسم ملامحي ....
وأشطب من تجاعيد وجهي
نثار أغنيةٍ حزينة
ربّما سرقتُ من المرايا
شهادة زورٍ....
وزرعتُ على جبهتي
بلاغة التبسّم في وجوهِ أخوتي
ربّما أَخذتْني بين دفتــــــي كتاب

نشوةٌ
أو رعدةٌ
وربّما تهاويتُ على يديك
كصرخةٍ.... تهوي في بئر
ربّما....
ربّما....
ذلك لأنني لا أؤثر خيانة الأفعى
اسرحُ بقطيعي في وداعة الذئب
وأترك لهم....
أن يطعنوا الشاة المريضة
بقربانٍ زائفٍ
ويعلنوا بذخ التقوى....
....اقتربي أيتها اللبؤات العليلة
لك في لحمي ....
فراسة المخالب
وشغف الأنياب المسنونة
اقتربي....أيتها الضباع الحزينة
ها أنذا أمّد لك سماط البهجة
وأشعل اسمي.....
.... في ظلام عيونك
اقتربي أيتها الثعالب
المنكوبة بالتخّفي
والتسبيح المرائي....
اقتربي أيتها السحالي المزدراة
وتلمسي وجهي
ببطونك الناعمة.....
لتقتربّ......
تلك الضغائن المندسّةُ في جحورك
ليس لديَّ
سوى خيطٍ من الماءِ
لا يجرح صمتَ البوار
وبقايا عجين
تفطرَّ على أصابع أمي
وصورةِ نهرٍ
يشربُ من السماءِ
ليطمر أصابع حبيبتي
بالطين المقدّس....
ويزرع لها على ضفتيه.... تبغاً
.....
لتعبر ....تلك المفجوعة
بخرافها
وجرائها
ومراياها
.....ربَّما ستهجر صياح الديك
وتمتثـــل لأذان الفجر
ربَّما....ترتجف يداها
حين تسكبُ لي قهوة الصباح
فيبتلُّ طرف الحصير......





17/02/2007























صورة الأب



تلك هي صورة الأب ....
تقبع في غرفة الخزين
بإطارها الذهبي....
وألوانها الحائلة....
أبٌ... بكامل هيئتهِ...
القميص الذي باض عليه الذباب
وربطة العنق....
تغفو تحت ساقِ المروحة العرجاء
ونصف ابتسامةٍ
أتى على ما تبقى منها .... عفن الجدار
غير أنه أب .... بكامل موتهِ
يحمل صولجانه....
وصورته البهيّة
الى مسكنه....
المؤثث بكل ما تنازل عنه أبناؤه البررة
" مدفأة خاوية من الزيت
وبضع قنان فارغةً
وملابس ضاقت بأجسادهم
وكيس من الكتب المدرسية القديمة
هو بكامل هيبته أيضاً
يجلس صامتاً
يسمع خفق نعالهم
وتأوّه زوجاتهم
والماء المنسكب في الحمّام
ويشمٌ ....
ما يصدرُ عن المطبخ
من رائحة الطعام....
أبٌ قديم جّداً
لا يصلح لزيارة ذوي القربى
أو للأنفاق في أولِ الشهر
"ربّما يصلح لشتم ِ ذرّيته ساعة ينام"
ولكنّه على أيّة حالٍ .... أبٌ
يقبع في غرفة الخزين الرطبةِ
يمتدحه أبناؤه في الأعياد
وتذكره زوجته ....
كلّما عضها وجع التذكر....
أبٌ يغزو الظلام مفاصلَه
فيحضن صورته....
ويمــــوت