يتوكأ على عماه
عبود الجابري
الى خمسة يسكبون بياضهم على عتمتي فأضيء :
• رهف
• هزار
• راما
• محمد
• احمد
غيــــوم ورقَّيـــــة
نرسم الغيوم
ونحلم بهطول النُقَط
المرسومة تحتها
الغيمة التي ظللت بها إسمك
حّلقت في سماءِ الآخرين
الغيمةُ أنثى....
ما من أحدٍ يعرف ذكر الغيم
الغيمةُ....
زفرةُُ بحرٍ مصابٍ بالحّمى
وحدةُ الألم
نتمنى أن يكون غيمةً عابرة
الغيوم.....؟
لو أنها لم تحجب الشمس !
غيمةٌ سوداء واحدة
تكفي لإطفاء القمر
غيمةٌ غاضبة.....
أمطرتنا بوابلٍ.... من الرصاص
غيمتان ساهرتان
تتجاذبان أطراف المطر
لا تمطر الغيوم
على من ينظر إليها دائماً
حّتى الغيمة الوحيدة
تنجبُ مطراً صالحاً
ما الذي سنراه
لو صارت الغيوم مرايا.....؟
عندما تغُيم الوجوه
لماذا تمطر العيون......؟
حينَ أقفرتْ حياتُهُ
أوقدتْ له غيمةٌ..
تَرفٌ موجعٌ.....
أن تمطر الغيمة في البحر
الغيومُ مواعيد
والمطر لقاءات حميمة
الغيمة التي أودعناها سماءَ العراق
تزلُّ أقدامها....
كلما حاولت أن تمطر النخيل
كعادتهم دائماً....
يشبعوننا غيوماً
هل المطرُ
دم الغيمةِ الجريحة.....؟
وماذا لو لم يلتئم جرحها....؟
هل كانت
ستمطر حتى الموت.....؟
منازل اليــــــد
ابسط يدي
حين تكونين على مقربة
وأغمضها
عندما يسيل ظلك بعيدا
يدي المخضبة بشعرك
هي ذاتها
اليد المرقشة برماد الأرواح
التي صافحتني.. قاصدة سماء الله
يدي
التي تنفض عن قميصك
رماد الأسماء
ورذاذ العطر
وبلورات الدمع القديم
يدي التي تفر مني إلى قميصك
يدي التي تفر من قميصك
هاربة إلى يدي الأخرى
يد يتيمة
تعرف أن الدعاء
يحلق بكفين ضارعتين
وان العناق
تلصص أصابعي على تضاريس جلدك
يد مغتربة
ترتجف بين أصابع الشرطي
واضعها على شفتي
عندما يفضي بي الغناء
إلى الموت
يد حانية
أتلمس بها جبين البلاد
ذات حمى
ويقرا لي العرافون
_ في خطوطها _
أيامي المرسومة على حاشية الرغيف
يد تحترق
بجمرة ثدي
أورق بين أصابعها
وتنطفيء
بماء التجلد
يدٌ عاريةٌ
يتقاذفها الفقهاء
وتتململ عند ارتعاش الشفتين
يد طويلة
تبعثر الملاءات
وتسرق تفاصيل الجسد
عندما تقصر قامة الضوء
يد قصيرة
تذبل في التمني
و في ماء العين البصيرة
يد تعد
ويفجعها شح الأصابع
في عد الأيادي التي بارحتها
يد تبطش
بالهواء حين تغلق الأبواب والنوافذ
يد تطلق النار على الشمس
حين ترخي ستائر الغرف الرطبة
يد تطرد الحكمة
بالشجار
وتمنح الدليل على ما تقترف
يد ..
يرى بها الأعمى
ويتلمس بها العاشق
يد ..
تكتب .. وتمحو
يد عليا ....!!
بين أصابعها
تقبع النواصي
وملك اليمين
وأيادٍ سفلى....
تائهةٌ
تبحث عن يدٌ تطلع من بين الركام....
كما لو أنها قصيدة حب
قلت للقلب:
كن بردا وسلاما على أصابعها
حين تلامس جبيني
كن حكيما
وفكر بأبجدية يدها
وكما الشهداء، توكّل على الصمت
ودع رفيفك عالقا في طين المئذنة
كن مثل خطوة الغريب
يتوكّأ على صور المدن في الخارطة العتيقة
ويتعّثر بمسقط راسه
- لا أثر على الرمال
- ولا بصمة على الستائر
كن أليفا
ودعها تطأ تراب حاضرك
، طين ماضيك
انتصر لها عند جرحك القديم
ويمم وجهك شطر ابتسامتها
خبيء وجهها في مرآتك
يسيل ظلال امرأة
- غانية في قميص النوم
- داجية في بلور الوحشة
- راهبة في القبض على ما يهرب من الصلوات
انتصر لها..
مسافرة في تاريخ مقطوع الرأس
تكنس البارود عن ذاكرة بنيها
وتبحث عن آبائهم في نثار الخزف
كن دليلها
وهيء لها من أمرها وطنا
امنحها من أحلامك فرسا بالية
ورغيفا يتهشم على ركبة الضيف
زيتا خاثرا
وملحا أسود
كن شفيعها
والتمس لها عند شياطينك جنة
وخمرا مما تبقى من موائد الآلهة
كن قرصان وحدتها
وامض بيديك حتى آخر خيط في ثوبها
خذ زينتك عند تخوم بطنها
وتريث عند مشارف ثدييها
أطلق سراح شفتيك
وقل :
اللهم اني نويت سفرا
فيسر لي مما يرعى في سمائك قطيعا من الغيوم
ومما يسبح في أرضك من سفن النجاة
أولست عبدك وابن عبدك؟؟
وابن أمتك التي أثقلت كاهل الكون بي
ثم غشيتها سكرة الرحيل اليك...؟
أللهم ..
أنا العاشق الذي لايموت
ألأحمق الذي يهرب من الفراشة
الحالم بتمشيط غرة الأسد
العاشق القديم
بأيقوناته
وشمعداناته
ورسائله المؤجلة
لست صفصافة تراوغ موسم الذبول
أنا صديق من يعنى بالورد
ويقطف الأغاني عند مراقصة الدرويش
أبحث عن حمرة الخد في الوشم القديم
وأتحسس المسافة
بعينين تجرحهما خشونة المعنى
ويدين تبصران الطريق الى أزرار قميصي
لي من الأسنان مايكفي لعض شفتي
ومن الأولاد ما أكشر به عن فحولتي
ولدي من الجوع ما ألعن به ثراء اللغة
ليس بي رغبة في الموت
لأنني قلما أموت
قلما يحزنني تقافز السنوات
كالأرنب في ذاكرة صياد عجوز....
15 نيسان 2009
ساعة معطّـلـة
لاوقت في معصمي
كي أزف إليك الصحو
ممتثلا لعصافير تنقر اوراق القلب
أنام حين ينوء بظهري كرسيّ عجوز
يتولّى انتظار الصباح معي
وأصحو
حين يهز جسدي السعال
ثمة ساعة تتربّص بنهاراتي
ورصيف تعود أن يلقي السلام عليّ
ويخبر حاجب الخليفة
إن كنت قد مددت بساط النوم على عينيّ
اخرج من البيت عندما اشعر أن المسافة بيني وبينك
مقدار رقة الشمس
بين ثقوب الستائر
وآكل عندما أجد طعاما في خرابة الفقير
واشرب ما يقطر من منقار حمامة مريضة
وأدخن ما يتيسّر لي
من لهاث الخليقة
....
لاوقت في ساعتي
انظر إلى العقارب
رافعة أذنابها
وابحث عن زورق الوقت
في الميناء البلوّري
وافرك بأكمام قميصي
زجاجها الذي علاه الضباب
فأدرك لماذا ألفيت معصمي خفيفا
ولم اكترث لعتمة المدن التي هاجرت من جبهتي
وتثاقل دمي في الشرايين
إنها ساعتي ..إذن
معطلة ...!!!
ذلك تبرير للآخرين
لكي يلقوا ظلال أوقاتهم على جسدي
ومحنة في تحديد ساعات الصفر
- ساعة لفك طلاسم الوطن
- ساعة لمعرفة أين اختفى الجرح الذي خلفته العصافير في شفتي
- ساعة لترديد النشيد الوطني لخمسين قرية وهبتني شتاءاتها
- ساعة لمراقبة سفارات عزرائيل في الأرض
- ساعة لانتهاز قيلولة الخليفة ..
- ساعة.......!!!
هي يدي إذن تحتفل بموت الدقائق
واخضرار العفن على جدران الساعة القتيلة
هل علي أن أتذكر سلفادور دالي
واسخر من عفونة الوقت في ساعتي ..؟
هل علي أن أقودك الى حيث نغمض اعيننا
ونشطب النهار من ساعة على الجدار ..؟
هل علي أن امحو عاما كاملا
بنهاراته ولياليه
لأستعيد بكارة بغداد ...؟
واكتب من جديد تاريخ ميلاد الجسر
هل علي أن أصدق أن رايات سودا
ستخرج من مؤخراتنا ..؟
الساعة بوصلة الحالم
والمشرق صار غربا
لكتائب تنام على قبور آبائنا
المشرق الذي لم يصلّ مع عليّ
ولم يحضر مادبة معاوية
المشرق الذي يقف على الجبل
يرقب رماد الذهب
في مواقد الحكائين
...........
هل علي أيضا ..
أن أمضي بالبزة العسكرية الى حيث تنتظرين..؟
وأقلد جيفارا
واسلم رئتي للسل..؟
اقترحي انت ساعة لا تموت
وأياما بلا عقارب
اقترحي رجالا
ونساء
وعصافير
لا يلوون معاصمهم ،
ثم يحثون الخطى صوب ساعاتهم القتيلة
اقترحي
فلم يبق من الوقت
سوى اربعين ذراعا
بين موت الرحى
واخضرار الحجر...
ايار 2009
تخطيطات حجرية
(1)
يعتذر الصائغ من الذهب
لقد رصعه بالحجر
(2)
طعم شفتي تراب
لفرط ما قبلت من أحجار
(3)
الحجر ..
وسادة الغريب
(4)
غالبا ما يتوسد الحجر
كتف الوردة كي ينام
(5)
يسقط الحجر علي فأنكسر
يفرح هو بقسوته
وأفرح برقتي
(6)
حتى الملك ..على رقعة الشطرنج
يدعى حجرا
(7)
الحجر وحدة قياس المسافة
بين رام كسيح
وشجرة باهظة الثمار
(8)
..حين يرونني طافيا
لماذا يربطون في قدمي الحجر..؟؟
(9)
الحجر لايشرب الماء
فلماذا لا يموت من العطش؟؟
(10)
لسيزيف الحجر
ولنا انتظار الهاوية
(11)
الحجر..
ائتلاف الرمال
(12)
ما بال أجدادنا ؟؟
لم يخلفوا لنا سوى
تاريخ مكتوب على الحجر
(13)
الجبل..
بلاد من الحجارة..
(14)
من كان منكم بلا ضغينة
فليرمها بحجر ..
(15)
حين يقترب الموت
نلوذ بالحجر
(16 )
الحصاة..
ابنة الحجر
(17)
الكهوف
أحجار حانية
( 18)
يدهشني أنها تبتسم
كلما أقول لها :
قلبك من حجر
(19)
أيها القمر
مادمت حجرا
فلماذا خدعتنا عمرا طويلا؟؟
20)
هي حجر
وانأ ماء
كلما اكتفيت بالسكون
ملأتني بالدوامات
(21)
ابتسامتها ..
كانت حجر الأساس
(22)
الرخام..
حجر أدركته النعمة فجأة
(23)
ما بيننا فقط
حجر صغير
كلما هممنا بالتقاطه
تصادمنا بالرؤوس
(24)
الثقوب
أحجار مهاجرة من الجدار
(25)
لماذا يسيل الدم من رؤوسهم..؟
أو لم يكن حجرا ضئيلا ..؟
(26)
بين حجر وحجر
لابد من حجر
آيل للسقوط
عمان
2009-05-14
نــــــزلاء
مثل عشبة ندية
تنسّلين تحـت الغطاء
فاسأل نفسي
هل سأكون نزيل ذراعيك
أم نزيل الفراغ الذي يلي ظهرك
أنا وأنت
نزيلان في ليل أضيق من السرير
وأوسع قليلا من نهار المتسّول
تستيقظين في الشروع الأول للنوم
لتسألي عن النزلاء الصغار
في الغرفة الصغيرة
بينما أنا منشغل بالجدوى!!
النزيلة الثانية في دفتر العائلة
تسألني عن الجدوى ايضآ
_ لماذا تكتب في الجريدة مادام الناس سيأكلون
عليها في اليوم التالي...؟
_ لماذا تصرّ على تقبيل أخي وأنت تراه يبكي
من وخز شاربيك..؟
أقول لامرأتي :
_ أطلقي سراح السمكة الزرقاء ؛ نزيلة حوض الماء
البلوري
فتسخر مني _ باللا جدوى طبعا _
وتقول لي :
_ البحر بعيد ، ولا انهار في هذه البلاد
ابحث في دفتر العناوين عن نزيل قديم ،
فاكتشف أني لم اعد نزيلا في ذاكرته
اقلب الساعات على رؤوسها
_ بعض من لا جدوى معرفة الوقت _
مادمت نزيل ظلام طائل
_ لا جدوى من التملص مما أنت فيه !!!
أنت نزيل أرض غريبة
فلماذا تشير بقلبك إلى الوطن ؟
هل هو الحنين إلى المهجع ..؟
_ لماذا يسمونه مهجعا ..؟ _
لعلهم يرون الحرية تجوالا متعبا..
أمس مات المغني
فأودعوه مهجعا رطبا
وضعوا ألواح الاسمنت على أضلاعه
وأهلنا التراب على أعضائه
_ كان نزيلا صامتا جدا _
هراء ..
فما جدوى الكلام إذا كنت ستصمت أخيرا..؟
ها ها ..
عندما كنت نزيل عطرك آخر مرة
أحسست بلا جدوى شفتيّ
هراء من نوع آخر
فربما صرت نزيلا يسعى بلهفة إلى مهجعه..
_ لا جدواي عاشقا هذه المرة _
ارقص بين حشد من النزلاء
وأقول للفقيه:
إني سأواري سوأته
أقول للوزير:
انه جدير بدم العباد
أقول للراقصة : _ حان موعد صلاة الفجر _
أقول للطفل : لاتقل لما سيأتي أفّ"
أقول للمرأة : إنها طبق الأصل عن الموناليزا
أنا آخر النزلاء
وسوف انتظر طويلا
وحشة التنزه حرّا
في ريش الحمام
أو في المسافة بين بابين
أو ذراعين
في سفر القبلة بين خدين
امضي
واختم عمري
نزيلا في بلاهة النزلاء
عمان 28/3/2007
أسبـاب موجبــة
الولد النائم في زاوية الغرفة
كما لو انه ابني
يبدو كقاطف المناديل
يسابق ايامه للوصول الى دمعتي ...
*******
الولد الذي يلعب في الردهة الضيقة
يشبه ابني تماما
يتمنى أن يركل الهواء
ولاتصطدم قدمه بالجدار
*******
البنت الابدية الذهول
والبنت التي تحب ملاعبة الأولاد
والبنت الثرثارة
كأنهن بناتي
يحملنني كقطعة ثلج بين الأصابع ...
********
المرأة التي تصلي قربي
شديدة الشبه بامرأتي
تحب الشعر
وتكره الشعراء
وتدعو لي بطول ( البقاء )
********
لست على يقين من ذلك
امرأة تبكي عندما يتبين الخيط الابيض من الخيط الاسود للرغبة
هل كنت انا من قال لها
ان الدمعة تاريخ يتوارى بين الأجفان؟؟
هل كانت تعرفني ؟؟
لتنثر ايامي
كما حبات العنب عند افول الموسم
ولماذا ابدو طيبا جدا
ومسالما جدا
لاانكر شحوب اللغة على لساني
افرح حين تتعافى من تعب
واحزن حين يعاجلها الليل بالترنح على بابه
انظر في المرآة فاراني غير الذي الفته عيناي
كيف وصلت الى هذا المنزل ؟؟
ومن فتح الباب ليدخلني
دون سؤال
ولماذا يتراكض نحوي هذا الجمع
ويروي لي ما لا افهم من التفاصيل:
واذا ما حل الليل
فأين سارخي كتفي واغفو ؟؟
منتظرا عودة رب المنزل ...
آب /2009
لم يمهله طويلا
_____________
سيموت غريبا
اثر وطن عضال
لن يمهله طويلا
*******
سيموت غريبا
لأنه لم ينفض التراب عن لحيته ،
ولم يمسح الدم النافر من جبينه ،
كانوا يلقون عليه الورد حين تذبل عروقه
ويضربونه بالأغصان حين تبتل ذوائبها
كان يتلبث عند خيامهم
ويغني لأولادهم السادرين في النوم
كان يعرف انه سيموت غريبا
فيوغل في نار وطنه عميقا
*******
سيموت وحيدا
وسيحتفل اصدقاؤه
بتقاسم الرصاصة الأخيرة
*******
سيموت ..
قبل أن ينسى وصيته الأخيرة
*******
اهرب يا أخي اهرب ..
كان يقولها لي دائما
هل كان خائنا
لأنه هرب وتركني وحيدا ..؟؟
********
وكنت جمعت له ما خلفته العواصف من خيوط ، وقلت له طر بحلمك الى حيث تضع رحلك في ماء السكينة او في تراب الهدأة ، وتخير من الحور من تجدها اقرب الى ضلالك ، هائم انت في صوفية الصمت وعيناك تذرفان الأغاني ، فأنى لهم أن يسمعوك ؟؟ ، أنى لعينيك أن تبرقا في سورة انشغالهم بتعداد مواشيهم ، أنى لك أن تؤذن في غلمانهم السادرين في النوم ، ونسائهم الغارقات في المرايا ، كانوا يلعقون الحكمة الملتصقة في اناء حماقاتك ، ويسومونك سوء الأنصات ، كانوا يضربونك بالوردة حين تذبل عروقها ، وبالغصن حين تبتل ذوائبه ، كانوا ينثرون غيابهم على حقول انتظارك ، ويشمتون بمصابيحك الذليلة .
********
غير انه لم يبرأ بعد من اغنية قديمة
اسدل الستار على اسمه
وترك لصوته ان يتيه في الأسماع
وتعلق بأستار صمته ....
*******
وإذ قلت له
ماذلك بمرآتك ؟؟
قال : هو عماي
اتوكأعليه
وأهش به على ما أرى
من الظلام ...
*******
وحين أضاءت من حوله القرى
رأى الموت باسقا
فأناخ براحلته عند أغنية عتيقة
وأعلن انه ماض
ليموت ...
عمان
آب 2009
كتاب القمصان
مرايا شعرية
إلى : احمد الشيخ علي .. مرآتي البعيدة
قميص يوسف
معلّقا فوق حبال الغواية منذ قرون
ما الذي كان سيحدث
لو انه قـــّد من قبـــل...؟
قميص عثمان
دم يابس
يتسلق مئذنة التاريخ
دم يصلح دائما
لابتكار الحروب
القميص الأسود
على ذمة موسوليني
قميص اسود
يتناسل في الشوارع
ورجال بقلوب داكنة
يتربصون بقلوبنا البيض
قميص مايكوفسكي
القميص الأصفر الواسع
الذي طعنك في الصدر
نبوءة الحسناء
التي أيبست ( الغيمة في البنطلون)
اعترف أيها العزيز مايكوفسكي
إننا نرتديه صباح مساء
وترّوج العرافات موتنا
لكننا .. لا نموت ...
قميص فلسطين
نملؤه باللافتات
ونمسح بأكمامه
دموع أمهاتنا
اللواتي يرددن دائما
(الله كريــــــــــــم )
قميص الشهيد
شظية غبية
ثقبت صور أبنائه في الجيب الأيسر
.. يرمم ثقوب القذائف
في خارطة البلاد
قميص رهف*
غيمة تسقط في حضن البدوي
يداعب خاصرتيها
فتمطر ضحكا ابيض
*ابنة الشاعر
قميصها
ستبدو مأخوذا بهذه الكتف البيضاء
فينتهي ماتوهمته ذات يوم
- إصبعك المعقوفة في الهواء كما لو انه زناد
- والانبطاح على الأرض دونما سبب
ستظل مأخوذا
تسرق لصوتك بحّة العاشق
وليديك همهمة الأخرس
تتلمس جسدها
مثلما تقلب أجنحة الفراشات
قميص آبي ذر
امض إلى الربذة ...
امض إلى هناك بابن جنادة
.....
سوف يغبطك الأمراء المنفيون إلى العواصم
ويؤمّ صحراءك الموتى
الذين لن يجدوا من يتكفل بدفنهم
خذ حكمتك وارحل
فالغبراء التي تقلّك
خير من خضراء لا تظلل أهلها
ارحـــل
ودعنا نسكن زمنا آخر
نبحث فيه عن سيوف نشهرها
حين لانجد قوت أيامنا
قميص مانديلا
طوبى لها
تلك الورود التي تتمسح بأذيال قميصك
طوبى للبيض الذين سئموا بياضهم الفج
وطوبى للسود الذين استظلوا بقميصك
فابيضّت جباههم
مانديلا....
هل بقي لديك مّتسع من العمر
كي تمنحنا شرف اعتقالك مرة أخرى؟؟
ربما سيمتد هذا الشرف قليلا
وربما لن نجد مقصلة تليق باسمك
فنكتفي حينها برصاصة رخيصة
امنحنا هذا الشرف
ولو لبرهة واحدة
امنحنا ما تراه رّثا من قمصانك
المليئة بالورود
نعلقه على شرفات بلادنا
ونحلم انك حّر مرة ثانية
قميص العراق
غفرانــــك..
فقد تكاثرت المرايا
واسودت الوجـــــوه
قميص جيفارا
ها أنت .. بلحيتك الطازجة
مرسوم على القمصان
والحيطان
وريش العصافير
ها أنت .. تخمش الهواء من قناني العطر
والماء من الغيمة الآفلة
وها أنت أيضا
تعود حزينا .. منفيا
يجرحك الطبالون
ويقتلك الرسامون
فيقترحونك تاريخا
ما عاد سوى رسم
فوق القمصان
قميص الحلاج
إنهم يبحثون عن رمادك
يهزون سعف النخيل
وعباءة الأم التي تطحن عيناها الليل
لكي يعود الأولاد
يبحثون عن رمادك
في عقال الأب المغبر
وفي سارية العلم
يبحثون عن رمادك
في الأسماء
يبحثون عن اسمك
في الرمـــاد
قميص المعري
النجوم التي تلامعت في عينيك
لم تكن قلائد ( عروس الزنج )
كانت شرر أرواح
متلاحمة
هاربة
من ظلمة الإبصار
إلى نور عماك
قميص الدمعة
لا تنزل ..
رغم خراب الروح
وصليل الأسماء
قميص الياسمين
هو الآن يحصي غنائمه
-نظرة عرجاء صوب شرفتها
- وضغينة ناعمة على خيانة المواسم
- وانتظار ربيع أخر
........
......
يذبل قميص الياسمينة
فتساقط أوراقها
ويسود القلب منها
فيعود ثانية ليحصي هزائمه
ليس له سوى عطر مجفف بين أضلاع الرياح
وعينين ترنوان إلى ربيع فائت
وضغينة نائمة على قلبه
الذي رأى الياسمين يجفف قمصانه
فتراقص نزفا.. نزفا
واكتفى ببقايا نظرة عرجاء
وربيع شاحب
وأغنية مخضبة بدم الياسميــــــن
قميص غاندي
أيّها المسالم حدّ الموت
ربما لم يسعفك العمر
كي تكتب كلاما
في مديح المسدس
قميص بغداد
لم يجدك البرابرة
والسماسرة ، حين عبروا الجسر
لم يجدوا عيون ألمها
ولم يجدوا عليا بن الجهم
لم يجدوا الشعراء
لم يجدوا سوى سفينة
تحمل من كلّ زوجين اثنين
وتوغل عميقا في الطوفان
قميص الحجاج
الرؤوس جميعها يانعة
فمتى
تتعب
من
القطاف ....؟؟؟
قميص امريء القيس
اليوم خمر
وغدا ..خمر
وبعد غد أيضا
أما الأمر ..
فلم يكن سوى هذيان مخمور
يقتل الندمان آباءه
فيشرب نخب موتهم
حالما بالصحو
بين جرار النبيذ
قميص هولاكـــو
أتراك عدت هانيء البال
بعدما أغرقت دجلة في المكتبة العظيمة ...؟؟
ومهرت بخاتمك صكوك الولاية
لأبناء عمومتك
أتراك شربت من ماء العراق
وعاد بك ظمأ الحنين
لتشرب مرة أخرى
؟؟؟…….
قميص الغفران
أغفر لأبي حزن أمي
أغفر لأمي اشتعال أخوتي في ظلام حزنها
أغفر لأخوتي كثافة أسمائهم في دفتر العائلة
أغفر للعائلة مسقط الرأس المؤجل
أغفر لمسقط الرأس خشونة طبع البلاد
أغفر للبلاد المنفى
أغفر للدائنين عجا لتهم
أغفر لزوجتي أولادي
أغفر لأولادي شيخوختي
أغفر
أغفر
وأعلم أنها خطايا ألبستها قميص الغفران
قميـــــصي
وحين لم يبق من الحشد سواي
جمعت فلولي
ومضيت الى الساحة وحدي
وتقافز من حولي:
- العسكر والأصحاب
فلم يجدوا
سوى لساني الأثري
وقميص ابيض
حملته لافتة
تبحث عما كان عليها من كلمات ..
قميص المرآة
تبكي هذه المرآة
من كثرة الوجوه التي انهمرت على زجاجها
والعيون التي غيرت لون فضتها
تبكي..
حين تسائلها امرأة
عن شكل ضفائرها قبل سنين
ويعابثها رجل
يبحث عن وجه أودعه بين صحائفها
ومضى يتحدث عن مرآة خائنة
ووجوه تتجعد في المرآة
قميص التراب
أغرق في ذاكرة تراب آخر
يرسم وجهي من جديد
ويطبع حروفا أخرى على لساني
- يلمسني فأمّحي
- ينفخ في جسدي من روحه
فأصير غبارا
تتقاذفه الريح
وتغلق دونه المدن الأليفة
أبوابها
قميص المتنبي
أغتنم مقامك بين يدي ( كافور )
فثمة ( فاتك ) عند كلّ منعطف
وثمة خيول
ورؤوس
وعواصم
يجرحها ( بم التعلّل ..؟؟ )
قميص أبي
منذ أسلمتني للعريف المعتق
عرفت أنّ موتك
رداء أوسع مما يلزم جسدي
فمضيت
أهيل الأرصفة المكلومة في جوفي
وأفتش عن أخوتي
بين طيات الرداء
عمان
2005- 2007
الأبــــــواب
(1 )
طرق الباب
ونام عند العتبة
منتظرا من لايفتح له
(2)
الباب الكهل
تئن مفاصله
فيشقى بالصرير
(3)
المنزل المهجور
باب يشكو من البطالة
(4)
قليلا من التهذيب أيها الموت
اطرق الباب أولا
(5)
يتحسّس جدار غربته
عسى أن يعثر
على باب الوطن
(6)
من بعيد ..
تبدو المنازل
بلا أبواب
(7)
النوافذ
أنصاف أبواب
(8)
أضعنا المفاتيح ...
فلماذا لانخلع الأبواب...؟
(9)
الأبواب المقفلة
عيون مغمضة
(10)
لاتطرقه بشّدة
انه باب يبكي
(11)
يحرص العراة
على إقفال أبوابهم دائما
(12)
الصمت ..
باب الأسرار
(13)
الفقر
باب مؤجّل
(14)
الباب الموارب
امرأة تنتظر
(15 )
الأبواب التي تصطفق
أغنية الريح
(16 )
العين ..
باب القلب
(17 )
البكاء
باب الرجل الأخير
(18 )
أبواب العشاق
تحلم نهارا
بحلول الليل
(19)
الحرب
باب الموت
(20)
السماء
باب العصافير
(21)
السماء أيضا
باب الله
(22)
التاريخ
أبواب صدئة
(23)
قميصك
باب
احلم أن اطرقه
(24)
الباب الزجاجي
أغنية من وراء ستار
(25 )
الأبوة
باب اليتم
(26 )
لنا باب
يحلم برحيل البرابرة
(27 )
يفتح بابه في الليل
ينتظر
وصول النهار
(28 )
المفاتيح
توائم الأبواب
(29)
يد الأعمى
باب عينه
(30 )
الباب الذهبي
سليل باب من الصفيح
(31 )
لافائدة من طرق الباب
ماداموا ينظرون إليك
من ثقب المفتاح
عمان /2009
عبود الجابري
العراق /1963
صدر له :
- فهرس الأخطاء – شعر / دار أزمنة – عمان 2007
- ترجم ونشر العديد من النصوص والدراسات النقدية عن الأنجليزية .
- يقيم في الأردن منذ عام 1993 .
- البريد الالكتروني :
abboudaljabiri@yahoo.com
Abboud_aljabiri@hotmail.com
www.aljabiri1.blogspot.com
المحتويات
غيوم ورقية ..1
2. منازل اليد .
3. كما لو أنها قصيدة حب .
4.ساعة معطلة .
5.تخطيطات حجرية .
6. نزلاء .
7.اسباب موجبة
8. لم يمهله طويلا .
9. كتاب القمصان .
10. الأبواب.
الجمعة، 25 يونيو 2010
السبت، 1 مايو 2010
خلدون عبد اللطيف : يتوكأ على عماه هدنة مع الذات والأمكنة
خلدون عبد اللطيف : يتوكأ على عماه هدنة مع الذات والأمكنة / القدس العربي
خلدون عبد اللطيف
4/23/2010
بعدَ ' فهرس الأَخطاء' الصادرة عن دار أزمنة عام 2007، صَدَرت للشاعر العراقي عبود الجابري عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر نهاية العام 2009 ثاني مجاميعه الشعرية تحتَ عنوان ' يتوكَّأ على عماه'.
الجابري في مجموعتهِ الجديدة يَنحى غالباً باتجاهِ إِنتاجِ قصيدةٍ مُكثَّفةٍ لا تخلو من تَوهُّج وومضات خاطفة، فاتحةً الأبوابَ على مصراعيها للتأويل والتَّرسُّبِ تدريجياً وتلقائياً في قرار الذائقة والشعور، من خلال مقاطع قصيرةٍ لكنَّها مُنتظمَة ضمنَ نصوص مستقلة ومتفاوتة من حيث الطُّول، ومندرجة تحت عناوين شاملة وذات دلالة عامة، بحيث يغدو العنوان في كلِّ نصّ بؤرةً مُرَكَّزةً لانطلاقِ القَصيدة، ومحوراً ثابتاً تدورُ في فلكِهِ تلك المقاطعُ القصيرة، دونَ أن يلغي ذلك خلوَّها من شعرية عالية ومشهدية صارمة أيضاً، فَضاؤها لا محدود وأسوارها التجريدية عالية، لكنَّها رغم هذا وذاك غيرُ منفصلةٍ عن الأرض بقدر ما تُعامِدُها في نقطةٍ لا يَصلحُ فيها إلا ولادَةُ الشِّعر. هنا تكمنُ أهميةُ العنوان لدى الجابري باعتباره المُمَهِّدَ لدخولِ عالم النَّصِّ/ المتن الشِّعري، والمؤثِّر الأوَّل في خلق تأويلات سابقة على قراءة ذلك النَّص، بحيث تتأكَّد أو تنتفي هذه التأويلات عند الانتهاء من فِعلِ القراءة.
عنوانُ المجموعة ' يتوكَّأ على عَماه' الذي يُحيل إلى الآية الكريمة من سورة طه ' وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآَرِبُ أُخْرَى' هو بمثابة إعلان صريحٍ من الجابري عن تَعطيلهِ للبَصَر القاصِرِ عن فِعلِ الرؤية، في حين يُصبحُ العَمى/ الضدُّ وسيلتهُ لاجتراحِ البصيرة وإزاحةِ الظلام، وصولاً إلى رؤية ما لا يُرى ' وإذْ قلُتُ له / ما ذلك بمرآتك؟؟/ قال: هو عماي/ أتوكأ عليه / وأهشُّ به على ما أرى/ من الظلام...'
يَكتبُ الجابري عدداً لا بأسَ به من قصائد مجموعتهِ مُستَفيداً من شعر ' الهايكو' الياباني و' فنِّ التوقيعات' الذي عُرفَ بشكلٍ خاص في العصر العباسي وصولاً إلى ما أطلق عليها قَصيدة التوقيعات أو الهوامش، والتي أخَذَت طريقها إلى الانتشار عربياً بدءاً من ستينات القرن الماضي، فهو يُؤثِّثُ قصائدَهُ بتؤدةٍ وانهماكٍ وفق هندسة شعرية ولغوية مضبوطة، وخلوٍ من الحشو إلى درجة الاقتصاد، بِقَدرِ ما تتطلبه هكذا كتابة شعرية من كثافة وإيجاز ونبرة إيقاعية متوترة، على الرغم من كونها ملغومة بالمقولات ومفتوحة على التأويل، إضافةً احتوائها على دفقات من العبث والسخرية اللاذعة، وإمكانية التقاطها في بعض الأحيان من قصائد طويلة أو متوسطة الطول، كما في قوله: ' طرق الباب/ ونام عند العتبة/ منتظرا من لا يفتح له'. لكنَّ شظايا الجابري الشعرية ليست متناثرة بعشوائية، إِنَّما تُقرَأُ كُلاً واحداً كونها مزروعة أبداً في جَسدِ القصيدة، ولا تنفصلُ عنها كما انفَصَلَتْ أَحجارُه عن الجدار ' الثقوب../ أحجار مهاجرة من الجدار'. هنا يبدو التقاط التفاصيل الصغيرة من الحياة العابرة والاحتفاء بها مَقصوداً إلى أبعد الحدود، من أجل إبرازها وتحويلها إلى بؤرة ضوئية ومَركَزٍ للصراع، وهذا ما يفرضُ اعتناءً كبيراً بالمشهدية والإشارات البصرية لدى الجابري، إذ يَغرفُ من مخزونهِ وإرثهِ الصُّوَري، ويحيلها بخفة الشاعر إلى إشارات تشبهُ ضربةَ فرشاة الألوان فوق سَطحٍ أبيض، فَتشعرُ أثناءَ قراءته بأنَّهُ يرسم لوحات بالكلمات، عبر لغة تتوسط الفن الشعري والتشكيلي على حَدٍّ سَواء، سعياً وراء خلق حالة تستفزُّ القارئ لإطلاق مخيلته ورسم لوحته الخاصة، مُستنداً إلى أبعاد دلالية واستدلالية للتماهي مع النص المقروء ' نرسمُ الغيوم/ ونحلمُ بهطول النُّقَط / المرسومةِ تحتها'.
عدا عن فكرة / تقنية الشظايا، من الملاحظ أنَّ هذه المجموعة للجابري تميَّزَت عن مجموعته الأولى ' فهرس الأخطاء' بانعقاد هدنة بين الشاعر وذاته، وَصَلت أحياناً حدَّ المصالحة، دون أن يعني ذلك توانيهِ عن وضع نفسه موضع المساءلة ' لا أُنكرُ شحوبَ اللغة على لساني/ أفرحُ حين تتعافى من تعبٍ/ وأحزنُ حين يعاجلها الليلُ بالتَّرنُّح على بابه/ أَنظرُ في المرآة فأراني غير الذي ألِفَتهُ عيناي/ كيف وَصلتُ إِلى هذا المنزل؟؟'. فالصُّورُ المتتابعةُ والمنفلتةُ من أيِّ قيدٍ داخلَ معظم قصائده، تتكاثفُ وتتكاتفُ أيضاً ضمن سلسلةٍ من الكتابة الشعرية المُرَكَّزة، حتى وإنْ بَدَت قصيرةً على مستوى الكمِّ للوهلة الأولى، يُحاولُ الجابري بواسطتها خلقَ معادلةٍ من نوعٍ ما تسعفهُ في إطالةِ أمدِ هكذا مُصالحة مع ذاته المغتربة من جهة، ومع الأمكنة الجديدة التي بات مُجبَراً على قُبولِ الارتباطِ بها من جهةٍ أخرى، بما تُفرزُهُ هكذا محاولات دؤوبة من لا توازن أو استقرار على مستوى العلاقة التي قد تنمو وتتطور بين كلا الطرفين، وقد تهوي أيضاً بأَحَدِ أطرافها أو كليهما إلى قرارٍ مجهول 'كُنْ مثل خطوة الغريب/ يَتَوكَّأ على صُور المدن في الخارطة العتيقة/ ويَتعثَّر بمسقطِ رأسه'.
ثمَّ هناك أيضاً مقاطع وأسطر شعريةٌ تومضُ بأسئلة وجودية، لكنَّها تظل دون إجابات شافية، كأنَّ الجابري تَعَمَّدَ تَركَها مَفتوحةً على قَلقِ التَّأويل، أَو في مناطقَ وسطى ' ما الذي سَنَراهُ / لو صارت الغيومُ مرايا...؟' كما يَتَبيَّنُ لاحقاً من قراءة المجموعة كاملة أنَّ الجابري يَتَخَفَّفُ من أثقالِ اللغة عبرَ اللجوءِ إلى كتابةٍ شفيفة، لا يمكنُ إلا أَنْ يَشعرَ القارئُ بوَخزها بين مقطعٍ وآخر، دونَ أَنْ يكونَ ذلك على حساب الشِّعريَّةِ الصافيةِ أو خَلخلةِ قواعدِ اللغةِ المؤسَّسَةِ على إرثٍ عَميق، بينما تَغدو البَصيرةُ المنشودةُ في النِّهايةِ أكبرَ من مُجَرَّدِ أمنيةٍ عابرة أو نُبوءَةِ شاعرٍ مُرتَحِل ' سَيَموتُ غَريباً / إثرَ وطنٍ عضال/ لن يُمهلهُ طويلاً'.
وإذا أَرَدنا التَّمادي في تأويلِ النُّصوص، لَقُلنا انَّ استخدامَ المتواليات على شكلِ التماعات قصيرة أو قصاصات شعرية أو حتى شظايا داخلَ بناءٍ شعريٍّ واحد كما هو الحال في نصوص ' غيوم ورقية'، ' تخطيطات حجرية'، ' كتاب القمصان' و ' الأبواب' هيَ السِّمةُ الغالبةُ على أسلوبية الجابري في هذه المجموعة بالذات، وقد تُحيلُ بشكلٍ أو بآخر إِلى حالةِ التَّشظِّي التي يُعاني منها الشاعرُ المصابُ بنوستالجيا الوطن منذُ غادره، خصوصاً انَّ هذا الوطن ( العراق) لا يكادُ يَغيبُ عن أي قصيدةٍ من قصائدِ المجموعة، سواء بشكلٍ صريحٍ أو مُضمر، ففي نَصِّ ' الأبواب'، يُحَمِّل الجابري أبوابَهُ رموزاً لم تُطرَقْ من قبل، فالبابُ عنده ليسَ مُجَرَّدَ أَمَلٍ يَتَعلَّق به، أو قَنطَرةٍ يَعبُرُ فَوقَها إِلى ضفَّةٍ أخرى، أو حتى مُجَرَّدَ بيت / وَطن يُنازعُهُ الحنينُ للرجوع إِليه، بل هو كلُّ ذلك وأكثر، خاصةً حين يحاولُ الجابري أَنسَنَتَهُ كما في قوله: ' البابُ الكهلُ / تَئنُّ مفاصلُه / فَيَشقى بالصَّرير' أو قوله: ' لا تَطرقهُ بشدَّة / إنهُ بابٌ يبكي' بينما في ' كتاب القمصان' نَقفُ على متواليات أو دفقات شعرية لا تَشتَرطُ قراءةً تراتبية أو مُؤطَّرة، بقدر ما تُشكِّلُ في مُجمَلها لوحةً فسيفسائية، تُحيلُ كلُّ قطعةٍ فيها إِلى بوحٍ مكنون أو مَقولةٍ تحريضية ومُحَمَّلة بمرجعيات مُتَعدِّدة، كانت فيما يبدو زفرةً مَحبوسةً في صدر الجابري وآنَ لها أَنْ تَتَحرَّر. ولتَحقيقِ ذلك بالمقابل، يُحَرِّرُ الجابري من ذاكرته الخاصة بعضاً مما اختَزَنَته: أماكن وأصدقاء وشخوصاً تاريخية ومعاصرة، مثل: ماياكوفسكي، فلسطين، مانديلا، العراق، غيفارا،الحلاج، المعري، غاندي، بغداد، الحجاج وغيرها، بحيث يغدو القميص قناعاً أو مرآةً يرى الجابري فيها أَزمات الحاضر، مُستَنيراً بالضوءِ القادمِ من الوَراء/ التاريخ، سَعياً نحو ' رؤية' و ' رؤيا' قد تُسعفهُ في استشرافِ مجاهلِ المستقبل. يقولُ في ' قميص الحلاج': ' الرؤوسُ جميعها يانعة/ فمتى/ تتعبُ/ من/ القطاف...؟؟'
عبرَ نصوصِ مجموعته ' يتوكَّأ على عَماه'، يَشدُّ الجابري الرِّحالَ إلى أراضٍ جديدة في الكتابة الشعرية لم يَطأها من قبل، مُتَزوِّداً بمخزون لغوي، وبصيرةٍ نافذةٍ إلى الأشياء التي تَستَحقُّ الاحتفاءَ بها، حتَّى لو اضطرَّهُ ذلك إلى أنْ ' يتوكَّأ على عماه' في وقتٍ تجدُ الكثيرينَ مُنهمكينَ بالتَّلصُّصِ والمراقبة وتَتَبُّع سوءات غيرهم، دونَ أنْ يُبصروا شيئاً من سوءاتهم أَو يَتَعرَّفوا إِلى مَلامحهم حتَّى لو حَدَّقوا في أَضخَمِ مرآة.
شاعر من الاردن
خلدون عبد اللطيف
4/23/2010
بعدَ ' فهرس الأَخطاء' الصادرة عن دار أزمنة عام 2007، صَدَرت للشاعر العراقي عبود الجابري عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر نهاية العام 2009 ثاني مجاميعه الشعرية تحتَ عنوان ' يتوكَّأ على عماه'.
الجابري في مجموعتهِ الجديدة يَنحى غالباً باتجاهِ إِنتاجِ قصيدةٍ مُكثَّفةٍ لا تخلو من تَوهُّج وومضات خاطفة، فاتحةً الأبوابَ على مصراعيها للتأويل والتَّرسُّبِ تدريجياً وتلقائياً في قرار الذائقة والشعور، من خلال مقاطع قصيرةٍ لكنَّها مُنتظمَة ضمنَ نصوص مستقلة ومتفاوتة من حيث الطُّول، ومندرجة تحت عناوين شاملة وذات دلالة عامة، بحيث يغدو العنوان في كلِّ نصّ بؤرةً مُرَكَّزةً لانطلاقِ القَصيدة، ومحوراً ثابتاً تدورُ في فلكِهِ تلك المقاطعُ القصيرة، دونَ أن يلغي ذلك خلوَّها من شعرية عالية ومشهدية صارمة أيضاً، فَضاؤها لا محدود وأسوارها التجريدية عالية، لكنَّها رغم هذا وذاك غيرُ منفصلةٍ عن الأرض بقدر ما تُعامِدُها في نقطةٍ لا يَصلحُ فيها إلا ولادَةُ الشِّعر. هنا تكمنُ أهميةُ العنوان لدى الجابري باعتباره المُمَهِّدَ لدخولِ عالم النَّصِّ/ المتن الشِّعري، والمؤثِّر الأوَّل في خلق تأويلات سابقة على قراءة ذلك النَّص، بحيث تتأكَّد أو تنتفي هذه التأويلات عند الانتهاء من فِعلِ القراءة.
عنوانُ المجموعة ' يتوكَّأ على عَماه' الذي يُحيل إلى الآية الكريمة من سورة طه ' وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآَرِبُ أُخْرَى' هو بمثابة إعلان صريحٍ من الجابري عن تَعطيلهِ للبَصَر القاصِرِ عن فِعلِ الرؤية، في حين يُصبحُ العَمى/ الضدُّ وسيلتهُ لاجتراحِ البصيرة وإزاحةِ الظلام، وصولاً إلى رؤية ما لا يُرى ' وإذْ قلُتُ له / ما ذلك بمرآتك؟؟/ قال: هو عماي/ أتوكأ عليه / وأهشُّ به على ما أرى/ من الظلام...'
يَكتبُ الجابري عدداً لا بأسَ به من قصائد مجموعتهِ مُستَفيداً من شعر ' الهايكو' الياباني و' فنِّ التوقيعات' الذي عُرفَ بشكلٍ خاص في العصر العباسي وصولاً إلى ما أطلق عليها قَصيدة التوقيعات أو الهوامش، والتي أخَذَت طريقها إلى الانتشار عربياً بدءاً من ستينات القرن الماضي، فهو يُؤثِّثُ قصائدَهُ بتؤدةٍ وانهماكٍ وفق هندسة شعرية ولغوية مضبوطة، وخلوٍ من الحشو إلى درجة الاقتصاد، بِقَدرِ ما تتطلبه هكذا كتابة شعرية من كثافة وإيجاز ونبرة إيقاعية متوترة، على الرغم من كونها ملغومة بالمقولات ومفتوحة على التأويل، إضافةً احتوائها على دفقات من العبث والسخرية اللاذعة، وإمكانية التقاطها في بعض الأحيان من قصائد طويلة أو متوسطة الطول، كما في قوله: ' طرق الباب/ ونام عند العتبة/ منتظرا من لا يفتح له'. لكنَّ شظايا الجابري الشعرية ليست متناثرة بعشوائية، إِنَّما تُقرَأُ كُلاً واحداً كونها مزروعة أبداً في جَسدِ القصيدة، ولا تنفصلُ عنها كما انفَصَلَتْ أَحجارُه عن الجدار ' الثقوب../ أحجار مهاجرة من الجدار'. هنا يبدو التقاط التفاصيل الصغيرة من الحياة العابرة والاحتفاء بها مَقصوداً إلى أبعد الحدود، من أجل إبرازها وتحويلها إلى بؤرة ضوئية ومَركَزٍ للصراع، وهذا ما يفرضُ اعتناءً كبيراً بالمشهدية والإشارات البصرية لدى الجابري، إذ يَغرفُ من مخزونهِ وإرثهِ الصُّوَري، ويحيلها بخفة الشاعر إلى إشارات تشبهُ ضربةَ فرشاة الألوان فوق سَطحٍ أبيض، فَتشعرُ أثناءَ قراءته بأنَّهُ يرسم لوحات بالكلمات، عبر لغة تتوسط الفن الشعري والتشكيلي على حَدٍّ سَواء، سعياً وراء خلق حالة تستفزُّ القارئ لإطلاق مخيلته ورسم لوحته الخاصة، مُستنداً إلى أبعاد دلالية واستدلالية للتماهي مع النص المقروء ' نرسمُ الغيوم/ ونحلمُ بهطول النُّقَط / المرسومةِ تحتها'.
عدا عن فكرة / تقنية الشظايا، من الملاحظ أنَّ هذه المجموعة للجابري تميَّزَت عن مجموعته الأولى ' فهرس الأخطاء' بانعقاد هدنة بين الشاعر وذاته، وَصَلت أحياناً حدَّ المصالحة، دون أن يعني ذلك توانيهِ عن وضع نفسه موضع المساءلة ' لا أُنكرُ شحوبَ اللغة على لساني/ أفرحُ حين تتعافى من تعبٍ/ وأحزنُ حين يعاجلها الليلُ بالتَّرنُّح على بابه/ أَنظرُ في المرآة فأراني غير الذي ألِفَتهُ عيناي/ كيف وَصلتُ إِلى هذا المنزل؟؟'. فالصُّورُ المتتابعةُ والمنفلتةُ من أيِّ قيدٍ داخلَ معظم قصائده، تتكاثفُ وتتكاتفُ أيضاً ضمن سلسلةٍ من الكتابة الشعرية المُرَكَّزة، حتى وإنْ بَدَت قصيرةً على مستوى الكمِّ للوهلة الأولى، يُحاولُ الجابري بواسطتها خلقَ معادلةٍ من نوعٍ ما تسعفهُ في إطالةِ أمدِ هكذا مُصالحة مع ذاته المغتربة من جهة، ومع الأمكنة الجديدة التي بات مُجبَراً على قُبولِ الارتباطِ بها من جهةٍ أخرى، بما تُفرزُهُ هكذا محاولات دؤوبة من لا توازن أو استقرار على مستوى العلاقة التي قد تنمو وتتطور بين كلا الطرفين، وقد تهوي أيضاً بأَحَدِ أطرافها أو كليهما إلى قرارٍ مجهول 'كُنْ مثل خطوة الغريب/ يَتَوكَّأ على صُور المدن في الخارطة العتيقة/ ويَتعثَّر بمسقطِ رأسه'.
ثمَّ هناك أيضاً مقاطع وأسطر شعريةٌ تومضُ بأسئلة وجودية، لكنَّها تظل دون إجابات شافية، كأنَّ الجابري تَعَمَّدَ تَركَها مَفتوحةً على قَلقِ التَّأويل، أَو في مناطقَ وسطى ' ما الذي سَنَراهُ / لو صارت الغيومُ مرايا...؟' كما يَتَبيَّنُ لاحقاً من قراءة المجموعة كاملة أنَّ الجابري يَتَخَفَّفُ من أثقالِ اللغة عبرَ اللجوءِ إلى كتابةٍ شفيفة، لا يمكنُ إلا أَنْ يَشعرَ القارئُ بوَخزها بين مقطعٍ وآخر، دونَ أَنْ يكونَ ذلك على حساب الشِّعريَّةِ الصافيةِ أو خَلخلةِ قواعدِ اللغةِ المؤسَّسَةِ على إرثٍ عَميق، بينما تَغدو البَصيرةُ المنشودةُ في النِّهايةِ أكبرَ من مُجَرَّدِ أمنيةٍ عابرة أو نُبوءَةِ شاعرٍ مُرتَحِل ' سَيَموتُ غَريباً / إثرَ وطنٍ عضال/ لن يُمهلهُ طويلاً'.
وإذا أَرَدنا التَّمادي في تأويلِ النُّصوص، لَقُلنا انَّ استخدامَ المتواليات على شكلِ التماعات قصيرة أو قصاصات شعرية أو حتى شظايا داخلَ بناءٍ شعريٍّ واحد كما هو الحال في نصوص ' غيوم ورقية'، ' تخطيطات حجرية'، ' كتاب القمصان' و ' الأبواب' هيَ السِّمةُ الغالبةُ على أسلوبية الجابري في هذه المجموعة بالذات، وقد تُحيلُ بشكلٍ أو بآخر إِلى حالةِ التَّشظِّي التي يُعاني منها الشاعرُ المصابُ بنوستالجيا الوطن منذُ غادره، خصوصاً انَّ هذا الوطن ( العراق) لا يكادُ يَغيبُ عن أي قصيدةٍ من قصائدِ المجموعة، سواء بشكلٍ صريحٍ أو مُضمر، ففي نَصِّ ' الأبواب'، يُحَمِّل الجابري أبوابَهُ رموزاً لم تُطرَقْ من قبل، فالبابُ عنده ليسَ مُجَرَّدَ أَمَلٍ يَتَعلَّق به، أو قَنطَرةٍ يَعبُرُ فَوقَها إِلى ضفَّةٍ أخرى، أو حتى مُجَرَّدَ بيت / وَطن يُنازعُهُ الحنينُ للرجوع إِليه، بل هو كلُّ ذلك وأكثر، خاصةً حين يحاولُ الجابري أَنسَنَتَهُ كما في قوله: ' البابُ الكهلُ / تَئنُّ مفاصلُه / فَيَشقى بالصَّرير' أو قوله: ' لا تَطرقهُ بشدَّة / إنهُ بابٌ يبكي' بينما في ' كتاب القمصان' نَقفُ على متواليات أو دفقات شعرية لا تَشتَرطُ قراءةً تراتبية أو مُؤطَّرة، بقدر ما تُشكِّلُ في مُجمَلها لوحةً فسيفسائية، تُحيلُ كلُّ قطعةٍ فيها إِلى بوحٍ مكنون أو مَقولةٍ تحريضية ومُحَمَّلة بمرجعيات مُتَعدِّدة، كانت فيما يبدو زفرةً مَحبوسةً في صدر الجابري وآنَ لها أَنْ تَتَحرَّر. ولتَحقيقِ ذلك بالمقابل، يُحَرِّرُ الجابري من ذاكرته الخاصة بعضاً مما اختَزَنَته: أماكن وأصدقاء وشخوصاً تاريخية ومعاصرة، مثل: ماياكوفسكي، فلسطين، مانديلا، العراق، غيفارا،الحلاج، المعري، غاندي، بغداد، الحجاج وغيرها، بحيث يغدو القميص قناعاً أو مرآةً يرى الجابري فيها أَزمات الحاضر، مُستَنيراً بالضوءِ القادمِ من الوَراء/ التاريخ، سَعياً نحو ' رؤية' و ' رؤيا' قد تُسعفهُ في استشرافِ مجاهلِ المستقبل. يقولُ في ' قميص الحلاج': ' الرؤوسُ جميعها يانعة/ فمتى/ تتعبُ/ من/ القطاف...؟؟'
عبرَ نصوصِ مجموعته ' يتوكَّأ على عَماه'، يَشدُّ الجابري الرِّحالَ إلى أراضٍ جديدة في الكتابة الشعرية لم يَطأها من قبل، مُتَزوِّداً بمخزون لغوي، وبصيرةٍ نافذةٍ إلى الأشياء التي تَستَحقُّ الاحتفاءَ بها، حتَّى لو اضطرَّهُ ذلك إلى أنْ ' يتوكَّأ على عماه' في وقتٍ تجدُ الكثيرينَ مُنهمكينَ بالتَّلصُّصِ والمراقبة وتَتَبُّع سوءات غيرهم، دونَ أنْ يُبصروا شيئاً من سوءاتهم أَو يَتَعرَّفوا إِلى مَلامحهم حتَّى لو حَدَّقوا في أَضخَمِ مرآة.
شاعر من الاردن
السبت، 14 نوفمبر 2009
يتوكأ على عماه
( يتوكأ على عماه )
للشاعر العراقي عبود الجابري
ـــــــــــــــــــــ
عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، صدرت للشاعر العراقي عبود الجابري مجموعته الشعرية ( يتوكأ على عماه ) ، وهي مجموعته الثانية بعد ( فهرس الأخطاء ) التي صدرت عام 2007 ، وتتكون المجموعة من عشرة نصوص تتلمس فكرة العمل على توليد البنية عبر لملمة المتناثر من الشظايا أو تشظية الفكرة في مبان عدة للنص يقترحها نص ( غيوم ورقية ) :
هل المطر دم الغيمة الجريحة ؟؟
وماذا لو لم يلتئم جرحها ؟؟
هل كانت ستمطر حتى الموت.. ؟
مثلما تتعامل نصوص مثل ( نزلاء) و ( منازل اليد ) و ( كما لو أنها قصيدة حب ) و ( ساعة معطلة ) مع فرضية الوصول إلى شكل آخر للوجود الإنساني المعطل ، والأسئلة الوجودية التي تموت أجوبتها في ثناياها عبر ( لم يمهله طويلا ) و ( أسباب موجبة ) ، كما تغوص ( تخطيطات حجرية ) في ماهية الحجر :
الثقوب..
أحجار مهاجرة من الجدار
******
الرخام
حجر أدركته النعمة فجأة
مثلما يرسم نص ( الأبواب ) صورا شخصية للباب في حالاته المختلفة
ويأتي ( كتاب القمصان ) ، الذي وضع له الشاعر عنوانا فرعيا هو – مرايا شعرية – ليرسم صورا متناثرة لشخوص ومدن تسكن الذاكرة الفردية منسلة إلى تفاصيل أثرها وانعكاساته على الحاضر ، حيث يقول في قميص العراق :
غفرانك
فقد تكاثرت المرايا
واسودت الوجوه
متخذا من القميص ثيمة أساسية لتناسل الصراعات والقصص الذي ألقى بظلاله على الشكل التاريخي لقراءة الحاضر من خلال قمصان لشخوص مثل أبي ذر الغفاري ، امرؤ ألقيس ، مانديلا ، بغداد ، فلسطين ، الحلاج ، المتنبي ، العراق ، المعري وآخرين .....
للشاعر العراقي عبود الجابري
ـــــــــــــــــــــ
عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، صدرت للشاعر العراقي عبود الجابري مجموعته الشعرية ( يتوكأ على عماه ) ، وهي مجموعته الثانية بعد ( فهرس الأخطاء ) التي صدرت عام 2007 ، وتتكون المجموعة من عشرة نصوص تتلمس فكرة العمل على توليد البنية عبر لملمة المتناثر من الشظايا أو تشظية الفكرة في مبان عدة للنص يقترحها نص ( غيوم ورقية ) :
هل المطر دم الغيمة الجريحة ؟؟
وماذا لو لم يلتئم جرحها ؟؟
هل كانت ستمطر حتى الموت.. ؟
مثلما تتعامل نصوص مثل ( نزلاء) و ( منازل اليد ) و ( كما لو أنها قصيدة حب ) و ( ساعة معطلة ) مع فرضية الوصول إلى شكل آخر للوجود الإنساني المعطل ، والأسئلة الوجودية التي تموت أجوبتها في ثناياها عبر ( لم يمهله طويلا ) و ( أسباب موجبة ) ، كما تغوص ( تخطيطات حجرية ) في ماهية الحجر :
الثقوب..
أحجار مهاجرة من الجدار
******
الرخام
حجر أدركته النعمة فجأة
مثلما يرسم نص ( الأبواب ) صورا شخصية للباب في حالاته المختلفة
ويأتي ( كتاب القمصان ) ، الذي وضع له الشاعر عنوانا فرعيا هو – مرايا شعرية – ليرسم صورا متناثرة لشخوص ومدن تسكن الذاكرة الفردية منسلة إلى تفاصيل أثرها وانعكاساته على الحاضر ، حيث يقول في قميص العراق :
غفرانك
فقد تكاثرت المرايا
واسودت الوجوه
متخذا من القميص ثيمة أساسية لتناسل الصراعات والقصص الذي ألقى بظلاله على الشكل التاريخي لقراءة الحاضر من خلال قمصان لشخوص مثل أبي ذر الغفاري ، امرؤ ألقيس ، مانديلا ، بغداد ، فلسطين ، الحلاج ، المتنبي ، العراق ، المعري وآخرين .....
الجمعة، 6 نوفمبر 2009
شاعر عراقي لايؤمن بتباكي الشعر على الوطن / جريدة الراي الأردنية
شاعر عراقي لا يؤمن بتباكي النص على الوطن
حاروه- إبراهيم السواعير- يصدر أواخر هذا الشهر، عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ديوان يتوكأ على عماه للعراقي عبود الجابري، وهو الديوان الثاني بعد فهرس الأخطاء الصادر عام ألفين وسبعة عن دار أزمنة؛ وعلى هامش تواجده في الأيام الثقافية العراقية بعمان، كان للرأي مع الجابري هذا اللقاء: شاهدناك ونفر من الشعراء العراقيين تتداولون الغربة ملمحا عاما في أمسيتكم الأخيرة؛ كيف ترى الحنين محرضا على المزيد من النتاج- مهما كانت درجة إبداعه؟! الحنين صفة لازمت العراقيين منذ أن وجدوا، وبالتحديد التغني بمسقط الرأس؛ وتحضرني أسطورة تداولها آباؤنا تشير إلى أن عراقيين هجروا مخافة أن يدركهم الفيضان، وكانت المسافة بين بيتهم الجديد والنهر خمسة عشر كيلو، ولما استقر بهم المقام صاروا يقسمون بغربته! وأنا أقول إن الحنين العراقي يختلف عن تفاصيل الحنين في أي أدب؛ فهو لا يتناول الوطن مغتصبا بل يتحدث عنه هجرة قسرية، وأذكر في هذا السياق الأغنية الفرنسية حرية مشروطة، ومفادها أن العصفور كان يرجو صائده أن يمد في الخيط إن لم يطلق سراحه؛ وأعتقد أن الخيط الأطول الذي يريده العراقيون أو يحبوا أن يمنحوه يدخل فيه أن العودة محتومة؛ لذلك فإنك واجد الأديب أو الفنان العراقي مولعا بصنع الجمال بوصفه معادلا موضوعيا لكثير من تفاصيل البشاعة التي رأوها أو سمعوا بها أمس أو اليوم.
مهما كثرت المرأة لديك، أعني في شعرك، إلا أن انزياحا أو ميلا باتجاه الوطن ؟! أعيب على نفسي أحيانا أن كثيرا من التفاصيل الحميمية في الكتابة عن المرأة تغيب عني قسرا؛ ربما بطريقة غير واعية أحيد بالنص عما هو موجه إليه، إلى تفاصيل لها علاقة بالوطن؛ ولذلك فإن محاولاتي كتابة الغزل الخالص سرعان ما تستحيل قصائد وطنية على غير شعور مني.
* نبقى في الوطن ما السبيل إليه نصا في هذا السيل الطامي من الكتابات؟!
أنا من غير المؤمنين بفكرة التباكي على الوطن؛ سواء كان ذلك في النص الأدبي أو الحوار؛ انطلاقا أن ما قد حصل حصل، وما على المثقف اليوم إلا أن يقوم بتجميل صورة الوطن في عيون الآخرين؛ فبغداد تخضع لاحتلال شئنا أم أبينا، لكنها ما تزال عامرة بأهلها، فلا مجال ليقوم الأدب بالتحريض، فلم تعد سيوف يمكن أن تقارع، ولكني أعتقد أن عليه أن يحيي ما هو موجود في الوطن من جمال، ودعني أقل إنني لم أحس بغربة في الأردن، صحيح أنني أحس بفقدان العراق، فقدان تفاصيل معينة: قسم لي وآخر له علاقة بالجغرافيا، لذلك أعالج كل ذلك بالجمال محرضا على تذوق النص، ومن نافلة القول إنني لا أؤمن بالمباشرة النصية أو النص المتباكي على الوطن.
* لك مرجعية دينية يربطها من يعرف مسقط رأسك بالنجف؛ كيف تتعامل مع المرجعية اللغوية في القرآن؟!
نعم! في كل شارع في النجف يمكنك أن تتعثر برجل دين، فالاهتمام على أعلى مستوياته بالدين في تفاصيل الحياة اليومية هناك في اللغة أو الفقه أو الشعائر، وأذكر أن نزارا قال إن شوارع النجف تلد في كل ساعة خمسين شاعرا، وفيما يخص اتكائي على لغة القرآن فإنه يجيء أحيانا على غير هدي مني؛ فعدا تعلمي القرآن كانت صور نهج البلاغة تغريني بمزيد من الكشف والإعجاب، ولعلك لا تعجب إن قلت لك إن من المستغرب ألا تجد شاعرا أو متحدثا بالشعر في النجف، ولكني مع كل ذلك أحترم، ولا أؤمن بالاستخدام المشوه للغة القرآن في الاستعارة أو التشبيه؛ فأبرز النص على حساب الكتاب الكريم.
* كيف ترى الحراك الثقافي العراقي العراقي أو الأردني العراقي في عمان؟!
أراه سلاحا بحدين، فمنذ عام 1993 فترة وجودي في عمان فإن مثقفين أو أشباه مثقفين كانوا يظهرون ويغيبون، وهم للأسف آذوا الأدب أو الفن العراقي؛ مع أن مثقفين وفنانين على مستوى الشعر والقصة والرواية والفن بعمومه خلقوا حراكا ثقافيا مشتركا، وقد كانت الفترة ما بين 1992 حتى ألفين فترة زاخرة بكل ذلك، وأستطيع القول إن صالات عرض فنية وأمسيات احتضنتها عمان وأثبتت جدارة. أقول إن عمان احتضنتني منذ الأسبوع الأول الذي قدمت إليها فيه، ولم يكن في حقيبتي غير نصوص وقميص، وقد احتضنتني المدينة، فكتبت في صوت الشعب وساعدني الشاعر إبراهيم نصر الله ولم يرفض لي نصا في الملاحق الثقافية أو المجلات العمانية.
تقرر أن تكون النجف عاصمة للثقافة الإسلامية ألفين واثنتي عشر، وتقرر، أيضا، أن تكون بغداد عاصمة للثقافة العربية ألفين وثلاثة عشر! ماذا يبعث ذلك في نفسك من رضا أو أمنيات؟! التفاتة جميلة أن يقر كل ذلك؛ فيكفي النجف مرجعياتها وحوزتها العلمية وما تتوافر عليه من قيمة ثقافية كبيرة، ويكفي أن تنجب النجف أعلاما في مجالاتهم من مثل الجواهري وأحمد الصافي النجفي وكثيرون.
يحمل الجابري شهادة جامعية في التمريض، وهو من مواليد العراق 1963، وعضو اتحاد الكتاب العراقيين، والكتاب العرب، وصدر له، أيضا، أراجيز الوحشة.
حاروه- إبراهيم السواعير- يصدر أواخر هذا الشهر، عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ديوان يتوكأ على عماه للعراقي عبود الجابري، وهو الديوان الثاني بعد فهرس الأخطاء الصادر عام ألفين وسبعة عن دار أزمنة؛ وعلى هامش تواجده في الأيام الثقافية العراقية بعمان، كان للرأي مع الجابري هذا اللقاء: شاهدناك ونفر من الشعراء العراقيين تتداولون الغربة ملمحا عاما في أمسيتكم الأخيرة؛ كيف ترى الحنين محرضا على المزيد من النتاج- مهما كانت درجة إبداعه؟! الحنين صفة لازمت العراقيين منذ أن وجدوا، وبالتحديد التغني بمسقط الرأس؛ وتحضرني أسطورة تداولها آباؤنا تشير إلى أن عراقيين هجروا مخافة أن يدركهم الفيضان، وكانت المسافة بين بيتهم الجديد والنهر خمسة عشر كيلو، ولما استقر بهم المقام صاروا يقسمون بغربته! وأنا أقول إن الحنين العراقي يختلف عن تفاصيل الحنين في أي أدب؛ فهو لا يتناول الوطن مغتصبا بل يتحدث عنه هجرة قسرية، وأذكر في هذا السياق الأغنية الفرنسية حرية مشروطة، ومفادها أن العصفور كان يرجو صائده أن يمد في الخيط إن لم يطلق سراحه؛ وأعتقد أن الخيط الأطول الذي يريده العراقيون أو يحبوا أن يمنحوه يدخل فيه أن العودة محتومة؛ لذلك فإنك واجد الأديب أو الفنان العراقي مولعا بصنع الجمال بوصفه معادلا موضوعيا لكثير من تفاصيل البشاعة التي رأوها أو سمعوا بها أمس أو اليوم.
مهما كثرت المرأة لديك، أعني في شعرك، إلا أن انزياحا أو ميلا باتجاه الوطن ؟! أعيب على نفسي أحيانا أن كثيرا من التفاصيل الحميمية في الكتابة عن المرأة تغيب عني قسرا؛ ربما بطريقة غير واعية أحيد بالنص عما هو موجه إليه، إلى تفاصيل لها علاقة بالوطن؛ ولذلك فإن محاولاتي كتابة الغزل الخالص سرعان ما تستحيل قصائد وطنية على غير شعور مني.
* نبقى في الوطن ما السبيل إليه نصا في هذا السيل الطامي من الكتابات؟!
أنا من غير المؤمنين بفكرة التباكي على الوطن؛ سواء كان ذلك في النص الأدبي أو الحوار؛ انطلاقا أن ما قد حصل حصل، وما على المثقف اليوم إلا أن يقوم بتجميل صورة الوطن في عيون الآخرين؛ فبغداد تخضع لاحتلال شئنا أم أبينا، لكنها ما تزال عامرة بأهلها، فلا مجال ليقوم الأدب بالتحريض، فلم تعد سيوف يمكن أن تقارع، ولكني أعتقد أن عليه أن يحيي ما هو موجود في الوطن من جمال، ودعني أقل إنني لم أحس بغربة في الأردن، صحيح أنني أحس بفقدان العراق، فقدان تفاصيل معينة: قسم لي وآخر له علاقة بالجغرافيا، لذلك أعالج كل ذلك بالجمال محرضا على تذوق النص، ومن نافلة القول إنني لا أؤمن بالمباشرة النصية أو النص المتباكي على الوطن.
* لك مرجعية دينية يربطها من يعرف مسقط رأسك بالنجف؛ كيف تتعامل مع المرجعية اللغوية في القرآن؟!
نعم! في كل شارع في النجف يمكنك أن تتعثر برجل دين، فالاهتمام على أعلى مستوياته بالدين في تفاصيل الحياة اليومية هناك في اللغة أو الفقه أو الشعائر، وأذكر أن نزارا قال إن شوارع النجف تلد في كل ساعة خمسين شاعرا، وفيما يخص اتكائي على لغة القرآن فإنه يجيء أحيانا على غير هدي مني؛ فعدا تعلمي القرآن كانت صور نهج البلاغة تغريني بمزيد من الكشف والإعجاب، ولعلك لا تعجب إن قلت لك إن من المستغرب ألا تجد شاعرا أو متحدثا بالشعر في النجف، ولكني مع كل ذلك أحترم، ولا أؤمن بالاستخدام المشوه للغة القرآن في الاستعارة أو التشبيه؛ فأبرز النص على حساب الكتاب الكريم.
* كيف ترى الحراك الثقافي العراقي العراقي أو الأردني العراقي في عمان؟!
أراه سلاحا بحدين، فمنذ عام 1993 فترة وجودي في عمان فإن مثقفين أو أشباه مثقفين كانوا يظهرون ويغيبون، وهم للأسف آذوا الأدب أو الفن العراقي؛ مع أن مثقفين وفنانين على مستوى الشعر والقصة والرواية والفن بعمومه خلقوا حراكا ثقافيا مشتركا، وقد كانت الفترة ما بين 1992 حتى ألفين فترة زاخرة بكل ذلك، وأستطيع القول إن صالات عرض فنية وأمسيات احتضنتها عمان وأثبتت جدارة. أقول إن عمان احتضنتني منذ الأسبوع الأول الذي قدمت إليها فيه، ولم يكن في حقيبتي غير نصوص وقميص، وقد احتضنتني المدينة، فكتبت في صوت الشعب وساعدني الشاعر إبراهيم نصر الله ولم يرفض لي نصا في الملاحق الثقافية أو المجلات العمانية.
تقرر أن تكون النجف عاصمة للثقافة الإسلامية ألفين واثنتي عشر، وتقرر، أيضا، أن تكون بغداد عاصمة للثقافة العربية ألفين وثلاثة عشر! ماذا يبعث ذلك في نفسك من رضا أو أمنيات؟! التفاتة جميلة أن يقر كل ذلك؛ فيكفي النجف مرجعياتها وحوزتها العلمية وما تتوافر عليه من قيمة ثقافية كبيرة، ويكفي أن تنجب النجف أعلاما في مجالاتهم من مثل الجواهري وأحمد الصافي النجفي وكثيرون.
يحمل الجابري شهادة جامعية في التمريض، وهو من مواليد العراق 1963، وعضو اتحاد الكتاب العراقيين، والكتاب العرب، وصدر له، أيضا، أراجيز الوحشة.
الأحد، 1 نوفمبر 2009
جاي باريني - لماذا نهتم بالشعر ؟؟؟
لماذا نهتمّ بالشعر؟
___________________________________
جاي باريني
ترجمة : عبود الجابري
- الشعر لم يعد يعني غالبية الناس، فهم يمارسون أعمالهم المعتادة وقلّما يلجأ أحدهم إلى شكسبير، وردزورث، أو فروست. حتى إن المرء ليندهش إن رأى للشعر أي مكان في القرن الحادي والعشرين في ظل تنافس الفضائيات والتلفزيون وأشرطة الفيديو من أجل قمع القصائد.. تلك القصائد التي تتطلب قدراً وافراً من التركيز، وقدراً أوفر من مهارات التحليل، إضافة إلى بعض المعلومات حول تقاليد الشعر.
في القرن التاسع عشر كان الشعراء أمثال سكوت، بايرون، ولونجفيلو، يملكون جمهوراً واسعاً حول العالم، وكانت أعمالهم تحقق مبيعات هائلة، وكانوا رموزاً ثقافية كذلك.
غير أن القّراء في ذلك الوقت كانوا يملكون القليل من الخيارات، وإذا افترضنا -وإن بشكل وهمي- أنّ الناس في الواقع يهتمون بالشعر.. فذلك لأنه يزودهم بالحكايات الموحية والمبتكرة، ويعطيهم الكلمات التي تحاكي مشاعرهم، كما أنهم يستمتعون بالقصص الشعبي أيضاً.. الموسيقى والشعر متلازمان في الإدراك.
في القرن العشرين.. شيء ما أصبح مفقوداً.. فقد أصبح الشعر أكثر صعوبة.. وتلك هي المسألة.. حيث صارت القصائد تعكس تعقيدات الثقافة الحديثة وتفككها العنيف.
إن قصائد شعراء مثل عزرا باوند، ماريان مور، ووالاس ستيفنس، تتطلب الكثير من القارئ، كالمراجع الثقافية والنصوص التي تعود إلى بدايات القرن التاسع عشر، التي لم تعد معروفة بشكل واسع، وعلى سبيل المثال فإنك حين ترغب بقراءة باوند بسهولة، فستلزمك بعض المعلومات عن الشعر اللاتيني والإغريقي.
ذلك النوع من التعلم كان شائعاً بشكل مطلق بين القراء المتعلمين في الماضي، عندما كان الأدب الكلاسيكي حجر الزاوية في ثقافة الطبقتين الراقية والوسطى، ولا ينطبق ذلك على قراء القرن العشرين أو قراء اليوم، حيث أصبحت الثقافة أكثر انفتاحاً، وباتت دراسة الأدب الكلاسيكي محصورة ضمن فئة قليلة من المهتمين... بينما صارت نصوص شعراء الحداثة المعروفين تتطلب الكثير من الهوامش.
مع ذلك.. فإن الشعر يستطيع أن يؤثر في حياة القارئ..، لقد جربت ذلك شخصياً، حيث قرأت وكتبت الشعر لأربعة عقود على الأقل..، كل صباح أبدأ يومي بقراءة كتاب شعري وقت الفطور..، أقرأ قصيدة.. ربما قصيدتين، وأتأمل ما قرأت..، غالباً ما أدون ملاحظات حول ما قرأت في دفتر اليوميات.
قراءة الشعر تعيد تشكيل يومي وتزيد خطواتي توهجاً.. وتمنحني ظلال أحاسيسٍ لم تكن موجودة لديّ سابقاً. أتذكر الأبيات، العبارات التي تطفو على ذاكرتي طوال اليوم.. نتف من الأغاني إن جاز لي القول.
أعتقد وبشكل جازم أن حياتي كانت ستصبح هزيلةً من دون الشعر، موسيقاه ، وحكمته العميقة.
إن من الشعر لحكمة.... ، قبل وقت قصير كنت في المغرب، وحدثني رجل تقي من المسلمين أن النبي محمد قال ذلك في حديثٍ نبوي، وتحدث القرآن عن الشعراء مبيناً أخطارهم..
هذا يذكّرني بأفلاطون الذي أراد أن يحرم جميع الشعراء من جمهوريته الفاضلة، لأنهم كما كان يظن.. كاذبون.. الحقيقة كانت متينة عند أفلاطون، فهي عالم متكامل من الأفكار، والعالم المادي يمثل تلك الصورة المثالية، فهو عالم ناقص على الدوام.
كذلك كان التصوير الفني للطبيعة، في مراحل المثالية المتعددة، لا يحتمل أي تشكيك.
غير أن أفلاطون كانت لديه تحفظات أخرى حول الشعراء في الجمهورية، حيث رأى أنهم ينتزعون تعاطف القراء بطرق لا جدوى منها: إنهم يخلطون أحاسيس الرغبة والغضب والأحاسيس الأخرى، الرغبة والألم والمتعة، الشعر يغذي الأهواء ويرويها بدلا من تجفيفها .
بينما التراتيل ومدح الرجال العظماء هي فقط ما على القراء أن يفعلوه.. فذلك أمر حسن وفق القانون وأسبابه الموجبة ، يقول أفلاطون، الذي لم يوغل نهائياً في الشعر من الناحية الفنية، وإنما اكتفى بلصق الشبهات على المهن.. ولم يفرد للشعر مكاناً في عالمه.
حتى شعراء الفترة الرومانسية المعروفون (بايرون، كوليردج، كيتس، شيلي، وردزورث)، كانوا يعيشون على هامش الحركة الاجتماعية، ولم يحظوا بالتبجيل الى حد كبير. وحديثاً فإن علما مثل ألين غينسبرج كان يسخر من بلدانهم، وقد كان الشعر لديهم نزوعاً نحو التمرد، ولم يكونوا ضيوفاً مرحَّباً بهم على موائد المجتمع.
منذ عهدٍ بعيد كان المعلمون والأساتذة يعدّون الشعر جزءاً أساسياً من المنهج الدراسي، وكان الشعر يحتل موقع الصدارة في دروس الثقافة في قاعات التدريس، وكان الشعراء يرتعون في رياض القرى الأكاديمية في الجامعات.
وكان فروست أول الشعراء الذين لقوا ترحيباً عظيماً في الحرم الجامعي، فقد مارس التدريس فترة طويلة من حياته في كلية أمهرست وأماكن أخرى.. وأمضى العقود الخيرة من حياته سائحاً في البلاد، محاضراً او قارئاً لجمهوره العريض، مؤمناً بشدة بأهمية الشعر كمعنى لتغيير العقل.
في التثقيف بواسطة الشعر ، إحدى أروع مقالاته، يناقش فروست. كيف يكون عمل الشعر أساسياً في تطوير الذكاء، وقد ذهب إلى أبعد من ذلك حين رأى أنك إن لم تكن في البيت (الكناية)، فلست بمأمنٍ في أي مكان آخر، ولن تكون مطمئناً بوجود القيم الرمزية ، لأنك لا تعرف إلى أي مدى ستحملك، ومتى ستتحطم . تلك كانت مزاعم كبيرة جداً، وهكذا هم الشعراء، يخلقون المزاعم الكبيرة، ولديهم دائماً قليل من المبالغات.
في الدفاع عن الشعر، يقول شلي : الشعراء هم مشرعو العالم المغيبون ، في صياغة جديدة لعبارة الشاعر جورج أوبين الذي قال: الشعراء هم مشرعو العالم المغيّب .
شخصياً لا أرغب أن يقوم الشعراء بوضع قوانين العالم وأعرافه، لأنهم على أبعد تقدير سيسيئون التصرف في الشؤون العامة، عالم الشعر - إلى حد كبير - عالم غامض من الفكر والأحاسيس، حيث نعيش حياتنا الواقعية، والشعر مهمته أن يسند تلك المملكة الداخلية.
في حديث في جامعة برنستون في العام 1942، وعندما كان العالم ملتهباً، بيّن ستيفنس أن القرن العشرين أصبح أكثر عنفاً جسدياً وروحياً، وبطريقة بليغة عّرف الشعر على أنه العنف الداخلي الذي يحمينا من العنف الخارجي، إنّه الخيال الذي يقاوم قسوة الواقع، ويبدو في المحصلة أننا بحاجة إلى وسيلة لحماية ذواتنا، ودون شّك فإن ذلك هو سبب صياغة الشعر وصدى كلماته التي تعيننا أن نعيش حياتنا .
قسوة الواقع.. تزداد شراسة، ومع ذلك يستمر الشعر بتزويدنا بإمكانيات استيعاب تلك القسوة، من خلال مقاومة القوى الخارجية التي تريد أن تغمر الإنسان وتطمسه. الشعر يمنح العالم صوتاً بطرقٍ كانت مجهولة سابقاً، نحن نصغي للسكون، وصوت الشعر الخافت عند قراءة القصيدة هو ذلك الصوت الذي يقف بضراوة نقيضاً لكل ضجيج المجتمعات أو بشكل أو بآخر ضد أصوات انفجارها.
عادة ما أقوم بتعريف الشعر لطلابي على أنه اللغة التي تلائم خبراتنا، خبراتنا الكاملة، مع النظر في الحسبان إلى الوديان العميقة، القمم، والسهول الفسيحة . إنه يعطي الصوت للأفكار الخافتة، كما قال الشاعر الاسكتلندي الموهوب (الأستير ريد): المرء لا يأمل أن يقوم الشعر بتغيير العالم ، وقد كتب أودن في رثاء ييتس : الشعر لم يفعل شيئاً على الإطلاق .
إلى ذلك الحد.. أجل.. فلم يغير من اقتصاد السوق، ولم يقنع الطغاة بالعدل، كذلك فإنه لم يستطع تحريض الطبقات الدنيا على النزول إلى الشوارع احتجاجا على حرب أو التماساً للعدالة الاقتصادية. إنه يعمل بطريقة أكثر هدوءاً، معيداً تشكيل الفراغ الداخلي لدى القارئ، ويضيف قدراً من الرقة على أفكاره، ويبالغ في تعقيد العالم بين يديه.
اللغة تقوم بتعريفنا ككائنات بشرية. نحن نتكلم.. لذلك نحن موجودون ، لدينا الإمكانية المذهلة للتفاهم بالكلمات، لتكوين الجمل والأوامر، للتعبير عن مشاعرنا، لبدء المناقشات والخروج بالاستنتاجات.
أهمية اللغة الشعرية تكمن في دقتها ومتانتها، وقدرتها على تقريبنا من العالم المادي.
يكتب ايمرسون أن الطبيعة الشفافة للكلمات تدلنا على الاتجاه الذي يدعى روحنا ، واضعاً نصب عينيه ثلاث قواعد ثمينة:.
- الكلمات إشارات لحقائق الطبيعة.
- تفاصيل حقائق الطبيعة، رموز لتفاصيل حقائق الروح.
- الطبيعة هي رمز الروح.
هذه العبارات تشكل برنامجاً للأساليب التي يمكن اعتمادها في الحركة الاستثنائية التي درست الطبيعة وفقاً لرموز الحياة الروحية، وهي مبادئ تستحق التفكير.
في بعض المستويات، تطرح الكلمات حقائق طبيعية (صخرة، نهر، طير، غيمة...)، يكون الإعجاز عند وضعها في عالمها الروحي.. وأعتقد أن الإعجاز يكمن في كيفية وضعها، بشكل بعيدٍ عن التقليدية، في مسارها الروحي، في العالم الباطني العميق الغامض الذي يعيش في كلّ منا، بصرف النظر عن دياناتنا أو معتقداتنا.
أفكر ببيت من جيرارد مانلي هوبكنز : آه.. العقل الذي يحتوي الجبال.. والمنحدرات الشاهقة.. .
العقل يحتوي كل تلك المرتفعات.. والفجاج، والقليلون الذين لم يدركوا ذلك يقفون بخشوع عند سلطان رهبة تلك التضاريس.. تلك هي المملكة الروحية التي يمكن للمرء أن يوجهها في أي اتجاه، الطبيعة أصبحت مؤخراً رمز الروح .
حسب ايمرسون ، الشعر نفسه يجسد تلك الطبيعة. إنه جزء منها، يعكس العالم الباطني، يملؤه بالصور والعبارات، ويثري الأسس في حقيقة حياة الأفراد.
لم أستطع العيش بعيداً عن الشعر، الذي وهبني وجوداً أكثر متانة، أكثر عمقا، وشكل تفكيري، ومنحني روحاً مفعمة بالأمل.. منحني سبلاً للبقاء حيّاً.. ، تلك هي عبارات د.جونسون أرددها من باب التلذّذ.
- * شاعر وناقد أمريكي
___________________________________
جاي باريني
ترجمة : عبود الجابري
- الشعر لم يعد يعني غالبية الناس، فهم يمارسون أعمالهم المعتادة وقلّما يلجأ أحدهم إلى شكسبير، وردزورث، أو فروست. حتى إن المرء ليندهش إن رأى للشعر أي مكان في القرن الحادي والعشرين في ظل تنافس الفضائيات والتلفزيون وأشرطة الفيديو من أجل قمع القصائد.. تلك القصائد التي تتطلب قدراً وافراً من التركيز، وقدراً أوفر من مهارات التحليل، إضافة إلى بعض المعلومات حول تقاليد الشعر.
في القرن التاسع عشر كان الشعراء أمثال سكوت، بايرون، ولونجفيلو، يملكون جمهوراً واسعاً حول العالم، وكانت أعمالهم تحقق مبيعات هائلة، وكانوا رموزاً ثقافية كذلك.
غير أن القّراء في ذلك الوقت كانوا يملكون القليل من الخيارات، وإذا افترضنا -وإن بشكل وهمي- أنّ الناس في الواقع يهتمون بالشعر.. فذلك لأنه يزودهم بالحكايات الموحية والمبتكرة، ويعطيهم الكلمات التي تحاكي مشاعرهم، كما أنهم يستمتعون بالقصص الشعبي أيضاً.. الموسيقى والشعر متلازمان في الإدراك.
في القرن العشرين.. شيء ما أصبح مفقوداً.. فقد أصبح الشعر أكثر صعوبة.. وتلك هي المسألة.. حيث صارت القصائد تعكس تعقيدات الثقافة الحديثة وتفككها العنيف.
إن قصائد شعراء مثل عزرا باوند، ماريان مور، ووالاس ستيفنس، تتطلب الكثير من القارئ، كالمراجع الثقافية والنصوص التي تعود إلى بدايات القرن التاسع عشر، التي لم تعد معروفة بشكل واسع، وعلى سبيل المثال فإنك حين ترغب بقراءة باوند بسهولة، فستلزمك بعض المعلومات عن الشعر اللاتيني والإغريقي.
ذلك النوع من التعلم كان شائعاً بشكل مطلق بين القراء المتعلمين في الماضي، عندما كان الأدب الكلاسيكي حجر الزاوية في ثقافة الطبقتين الراقية والوسطى، ولا ينطبق ذلك على قراء القرن العشرين أو قراء اليوم، حيث أصبحت الثقافة أكثر انفتاحاً، وباتت دراسة الأدب الكلاسيكي محصورة ضمن فئة قليلة من المهتمين... بينما صارت نصوص شعراء الحداثة المعروفين تتطلب الكثير من الهوامش.
مع ذلك.. فإن الشعر يستطيع أن يؤثر في حياة القارئ..، لقد جربت ذلك شخصياً، حيث قرأت وكتبت الشعر لأربعة عقود على الأقل..، كل صباح أبدأ يومي بقراءة كتاب شعري وقت الفطور..، أقرأ قصيدة.. ربما قصيدتين، وأتأمل ما قرأت..، غالباً ما أدون ملاحظات حول ما قرأت في دفتر اليوميات.
قراءة الشعر تعيد تشكيل يومي وتزيد خطواتي توهجاً.. وتمنحني ظلال أحاسيسٍ لم تكن موجودة لديّ سابقاً. أتذكر الأبيات، العبارات التي تطفو على ذاكرتي طوال اليوم.. نتف من الأغاني إن جاز لي القول.
أعتقد وبشكل جازم أن حياتي كانت ستصبح هزيلةً من دون الشعر، موسيقاه ، وحكمته العميقة.
إن من الشعر لحكمة.... ، قبل وقت قصير كنت في المغرب، وحدثني رجل تقي من المسلمين أن النبي محمد قال ذلك في حديثٍ نبوي، وتحدث القرآن عن الشعراء مبيناً أخطارهم..
هذا يذكّرني بأفلاطون الذي أراد أن يحرم جميع الشعراء من جمهوريته الفاضلة، لأنهم كما كان يظن.. كاذبون.. الحقيقة كانت متينة عند أفلاطون، فهي عالم متكامل من الأفكار، والعالم المادي يمثل تلك الصورة المثالية، فهو عالم ناقص على الدوام.
كذلك كان التصوير الفني للطبيعة، في مراحل المثالية المتعددة، لا يحتمل أي تشكيك.
غير أن أفلاطون كانت لديه تحفظات أخرى حول الشعراء في الجمهورية، حيث رأى أنهم ينتزعون تعاطف القراء بطرق لا جدوى منها: إنهم يخلطون أحاسيس الرغبة والغضب والأحاسيس الأخرى، الرغبة والألم والمتعة، الشعر يغذي الأهواء ويرويها بدلا من تجفيفها .
بينما التراتيل ومدح الرجال العظماء هي فقط ما على القراء أن يفعلوه.. فذلك أمر حسن وفق القانون وأسبابه الموجبة ، يقول أفلاطون، الذي لم يوغل نهائياً في الشعر من الناحية الفنية، وإنما اكتفى بلصق الشبهات على المهن.. ولم يفرد للشعر مكاناً في عالمه.
حتى شعراء الفترة الرومانسية المعروفون (بايرون، كوليردج، كيتس، شيلي، وردزورث)، كانوا يعيشون على هامش الحركة الاجتماعية، ولم يحظوا بالتبجيل الى حد كبير. وحديثاً فإن علما مثل ألين غينسبرج كان يسخر من بلدانهم، وقد كان الشعر لديهم نزوعاً نحو التمرد، ولم يكونوا ضيوفاً مرحَّباً بهم على موائد المجتمع.
منذ عهدٍ بعيد كان المعلمون والأساتذة يعدّون الشعر جزءاً أساسياً من المنهج الدراسي، وكان الشعر يحتل موقع الصدارة في دروس الثقافة في قاعات التدريس، وكان الشعراء يرتعون في رياض القرى الأكاديمية في الجامعات.
وكان فروست أول الشعراء الذين لقوا ترحيباً عظيماً في الحرم الجامعي، فقد مارس التدريس فترة طويلة من حياته في كلية أمهرست وأماكن أخرى.. وأمضى العقود الخيرة من حياته سائحاً في البلاد، محاضراً او قارئاً لجمهوره العريض، مؤمناً بشدة بأهمية الشعر كمعنى لتغيير العقل.
في التثقيف بواسطة الشعر ، إحدى أروع مقالاته، يناقش فروست. كيف يكون عمل الشعر أساسياً في تطوير الذكاء، وقد ذهب إلى أبعد من ذلك حين رأى أنك إن لم تكن في البيت (الكناية)، فلست بمأمنٍ في أي مكان آخر، ولن تكون مطمئناً بوجود القيم الرمزية ، لأنك لا تعرف إلى أي مدى ستحملك، ومتى ستتحطم . تلك كانت مزاعم كبيرة جداً، وهكذا هم الشعراء، يخلقون المزاعم الكبيرة، ولديهم دائماً قليل من المبالغات.
في الدفاع عن الشعر، يقول شلي : الشعراء هم مشرعو العالم المغيبون ، في صياغة جديدة لعبارة الشاعر جورج أوبين الذي قال: الشعراء هم مشرعو العالم المغيّب .
شخصياً لا أرغب أن يقوم الشعراء بوضع قوانين العالم وأعرافه، لأنهم على أبعد تقدير سيسيئون التصرف في الشؤون العامة، عالم الشعر - إلى حد كبير - عالم غامض من الفكر والأحاسيس، حيث نعيش حياتنا الواقعية، والشعر مهمته أن يسند تلك المملكة الداخلية.
في حديث في جامعة برنستون في العام 1942، وعندما كان العالم ملتهباً، بيّن ستيفنس أن القرن العشرين أصبح أكثر عنفاً جسدياً وروحياً، وبطريقة بليغة عّرف الشعر على أنه العنف الداخلي الذي يحمينا من العنف الخارجي، إنّه الخيال الذي يقاوم قسوة الواقع، ويبدو في المحصلة أننا بحاجة إلى وسيلة لحماية ذواتنا، ودون شّك فإن ذلك هو سبب صياغة الشعر وصدى كلماته التي تعيننا أن نعيش حياتنا .
قسوة الواقع.. تزداد شراسة، ومع ذلك يستمر الشعر بتزويدنا بإمكانيات استيعاب تلك القسوة، من خلال مقاومة القوى الخارجية التي تريد أن تغمر الإنسان وتطمسه. الشعر يمنح العالم صوتاً بطرقٍ كانت مجهولة سابقاً، نحن نصغي للسكون، وصوت الشعر الخافت عند قراءة القصيدة هو ذلك الصوت الذي يقف بضراوة نقيضاً لكل ضجيج المجتمعات أو بشكل أو بآخر ضد أصوات انفجارها.
عادة ما أقوم بتعريف الشعر لطلابي على أنه اللغة التي تلائم خبراتنا، خبراتنا الكاملة، مع النظر في الحسبان إلى الوديان العميقة، القمم، والسهول الفسيحة . إنه يعطي الصوت للأفكار الخافتة، كما قال الشاعر الاسكتلندي الموهوب (الأستير ريد): المرء لا يأمل أن يقوم الشعر بتغيير العالم ، وقد كتب أودن في رثاء ييتس : الشعر لم يفعل شيئاً على الإطلاق .
إلى ذلك الحد.. أجل.. فلم يغير من اقتصاد السوق، ولم يقنع الطغاة بالعدل، كذلك فإنه لم يستطع تحريض الطبقات الدنيا على النزول إلى الشوارع احتجاجا على حرب أو التماساً للعدالة الاقتصادية. إنه يعمل بطريقة أكثر هدوءاً، معيداً تشكيل الفراغ الداخلي لدى القارئ، ويضيف قدراً من الرقة على أفكاره، ويبالغ في تعقيد العالم بين يديه.
اللغة تقوم بتعريفنا ككائنات بشرية. نحن نتكلم.. لذلك نحن موجودون ، لدينا الإمكانية المذهلة للتفاهم بالكلمات، لتكوين الجمل والأوامر، للتعبير عن مشاعرنا، لبدء المناقشات والخروج بالاستنتاجات.
أهمية اللغة الشعرية تكمن في دقتها ومتانتها، وقدرتها على تقريبنا من العالم المادي.
يكتب ايمرسون أن الطبيعة الشفافة للكلمات تدلنا على الاتجاه الذي يدعى روحنا ، واضعاً نصب عينيه ثلاث قواعد ثمينة:.
- الكلمات إشارات لحقائق الطبيعة.
- تفاصيل حقائق الطبيعة، رموز لتفاصيل حقائق الروح.
- الطبيعة هي رمز الروح.
هذه العبارات تشكل برنامجاً للأساليب التي يمكن اعتمادها في الحركة الاستثنائية التي درست الطبيعة وفقاً لرموز الحياة الروحية، وهي مبادئ تستحق التفكير.
في بعض المستويات، تطرح الكلمات حقائق طبيعية (صخرة، نهر، طير، غيمة...)، يكون الإعجاز عند وضعها في عالمها الروحي.. وأعتقد أن الإعجاز يكمن في كيفية وضعها، بشكل بعيدٍ عن التقليدية، في مسارها الروحي، في العالم الباطني العميق الغامض الذي يعيش في كلّ منا، بصرف النظر عن دياناتنا أو معتقداتنا.
أفكر ببيت من جيرارد مانلي هوبكنز : آه.. العقل الذي يحتوي الجبال.. والمنحدرات الشاهقة.. .
العقل يحتوي كل تلك المرتفعات.. والفجاج، والقليلون الذين لم يدركوا ذلك يقفون بخشوع عند سلطان رهبة تلك التضاريس.. تلك هي المملكة الروحية التي يمكن للمرء أن يوجهها في أي اتجاه، الطبيعة أصبحت مؤخراً رمز الروح .
حسب ايمرسون ، الشعر نفسه يجسد تلك الطبيعة. إنه جزء منها، يعكس العالم الباطني، يملؤه بالصور والعبارات، ويثري الأسس في حقيقة حياة الأفراد.
لم أستطع العيش بعيداً عن الشعر، الذي وهبني وجوداً أكثر متانة، أكثر عمقا، وشكل تفكيري، ومنحني روحاً مفعمة بالأمل.. منحني سبلاً للبقاء حيّاً.. ، تلك هي عبارات د.جونسون أرددها من باب التلذّذ.
- * شاعر وناقد أمريكي
كي ريان - شاعرة امريكا المكللة بالفخر
كي ريان .. شاعرة امريكا المكللة بالفخر
____________________________
اعداد وترجمة : عبود الجابري
رغم انها تطلق على نفسها ( المكللة بالفخر ) فأن كي ريان كانت تقوم بتحميص شريحة الخبز لابن اخيها عندما تلقت الأخبار عن موعد الأعلان عن تكريمها
بلقب امير الشعراء في الولايات المتحة الأميركية . بعد ذلك توجب على الشاعرة ذات الاثنين وستين عاما ومدرسة اللغة انجليزية في ( فير فاكس ) أن تعتاد على المسير بخطى متزنة . ( دائما اقوم بقتل الكسل والشرود بركوب الدراجة الهوائية وطهي الطعام ) تقول ذلك وهي تدهن رغيف الخبز بالزبدة ( ذلك يقلب الحياة اليومية راسا على عقب ).الاختزال والبلاغة – مضافا اليهما تدبير الحياة اليومية – هي مفاتيح شعر ريان التي حازت القابا عديدة كان اخرها الجائزة الكبرى في الشعر لعام 2004 وجائزة روث ليلي للشعر التي تبلغ قيمتها مليون دولار.
كي ريان صوت عصري مميز واصيل وغني يتنوع اساليبه الشعرية ) يقول ذلك جيمس بيلنجتون امين مكتبة الكونجرس عشية اختيارها للقب امير شعراء امريكا خلفا للشاعر شارلز سيميك .
ذلك اللقب ترتبت عليه واجبات عديدة اولها قيامها بافتتاح سلسلة نشاطات مكتبة الكونجرس بقراءات شعرية من اعمالها المختلفة . محتفلة بشرف انضمامها الى قافلة الشعراء الذين نالوا اللقب سابقا امثال روبرت فروست ، لويس بوكان ، ويليام كارلوس وتشارلز سيميك .
اخر اعمالها كان مجموعة شعرية بعنوان ( نهر نياغارا ) عام 2006 وهي السادسة ضمن اعمالها وقد تناولها النقاد بالاطراء والتبجيل. ويمتاز شعرهابمحاولة النفاذ الى جوهر الاشياء الكبيرة من خلال احتفائها بالاشياء الصغيرة الواضحة فهي تكتب عن مقابض الابواب والعلاج بالابر الصينية.
ولدت ريان عام 1945 في سان جوس وترعرعت في مدينة صغيرة في سان جوكوين حين كان والدها يعمل في مجال التنقيب عن البترول _ كنت اتمنى ان اعمل شيئا يتضمن سيارة نقل وحبال تحميل _ تقول ريان ، وقد وجدت في قراءاتها الكثير من الشعر المغلف بغموض لم يرق لذائقتها _ لاأحب الوقفة المتكلفة والاعتداد العالي بالذات مثلما لا احب التخفي _ تقول ريان ضاحكة .
وعندما صرت في الثلاثين ادركت انني لا استطيع النخلي عن الشاعر الذي صرته _ وبعد رحلة شهيرة حول البلاد على دراجة هوائية انصب تركيزها على كتابة الشعر و العمل في تدريس اللغة الانجليزية في كلية مارتن كنتفيلد .
لا تكتب ريان بالطريقة التقليدية التي يكتب بهاالآخرون، فهي الوحيدة من بين الشعراء تذكرني باميلي ديكنسون _ يقول ذلك دان غيويا _ الناقد والشاعر الاميركي الشهير ، فكلاهما يكتب القصيدة القصيرة جدا ، القصيدة التي تختزل الكلام ويتسع فيها المعنى ، القصيدة ذات الكثافة ، القصيدة المعبرة عن الحكمة .
لذلك تم اختيار احدى قصائدها ( كيف تغني الطيور )؟ لتزين واجهة المتنزه الرئيسي في مدينة نيويورك ( انها هناك على الجدار الاستنادي الذي يتراكض عليه الاطفال صعودا ونزولا ) تقول ريان.
لم تقرر ريان بعد ماهو مشروعها القادم كاميرة للشعراء ، فهي تحمل افكارا محددة وواضحة عن وظيفة الشعر ، ( على الشعر ان يمنح الاخرين شعورا اكبر بالتحرر ، ويخلصهم من الأوزار ؛ وأتخيل الشعر الجيد يرفع من نسبة الأوكسجين في الهواء ، القصائد فقط تجعل التنفس اكثر سهولة .)
دمو ع التماسيح
______________
التمساح المخلص الوحيد
جفت مآقيه منذ سنوات
فلماذا نكترث لدموع التماسيح..؟
الافكار العظيمة
____________
الأفكار العظيمة
لاتطعم الأفكار الصغيرة
كما يفعل الآباء بأبنائهم
كما شجرة اليوكالبتوس
يسقط منها الورق الميت
والبقايا العقيمة
لذلك يبدو الوقوف
في بستانها دون حراك
امرا مهينا
التاج
_________
المطر الغزير
يجعل الأشجار تهوي
على الجانب الآخر من التلال
تجثو اشجار البلوط العملاقة على الركبتين
لك أن تلمس اعضاءها
وليس لك سلطة في ذلك
وحدها العصافير
تملك حق الطيران الى كل ماهو رفيع الشأن
ثنائيات
________
من ، من يراقب الأجنحة
فأنه يسنطيع أن يستخلص
كيف يتأتى للطيور
أن تقطع المسافات بذلك
الألتصاق الهزيل للأجنحة
، بطريقتها في الأنحناء الى الخلف
، وطريقتها المضحكة في الوقوف
ومن راقب اسراب الطيور على الرمال
سيعتقد انها شويكات صغيرة
نثرتها الرياح
الكثير من الثنائيات تبدو قبيحة
فهل هناك من يستطيع أن يحلم بغراب عريض الجناحين
يستطيع أن يعتزل الفضاء
ويمضي مقيد الساقين حول الأرض ..
ناعقا كعادته ..؟
تكـــــرار
________
حاول أن تسلك الطريق ذاتها
الى المتجر ذاته
مستخدما
حبل التوازن المعلق في الأعلى
ستجد أن كل خطوة لا تشبه الأخرى
المخاطر متباينة على السطوح
يتعثر المرء وحيدا
ولاشيء يحدث
قلة من لديهم الرغبة
واقل منهم الأبطال
____________________________
اعداد وترجمة : عبود الجابري
رغم انها تطلق على نفسها ( المكللة بالفخر ) فأن كي ريان كانت تقوم بتحميص شريحة الخبز لابن اخيها عندما تلقت الأخبار عن موعد الأعلان عن تكريمها
بلقب امير الشعراء في الولايات المتحة الأميركية . بعد ذلك توجب على الشاعرة ذات الاثنين وستين عاما ومدرسة اللغة انجليزية في ( فير فاكس ) أن تعتاد على المسير بخطى متزنة . ( دائما اقوم بقتل الكسل والشرود بركوب الدراجة الهوائية وطهي الطعام ) تقول ذلك وهي تدهن رغيف الخبز بالزبدة ( ذلك يقلب الحياة اليومية راسا على عقب ).الاختزال والبلاغة – مضافا اليهما تدبير الحياة اليومية – هي مفاتيح شعر ريان التي حازت القابا عديدة كان اخرها الجائزة الكبرى في الشعر لعام 2004 وجائزة روث ليلي للشعر التي تبلغ قيمتها مليون دولار.
كي ريان صوت عصري مميز واصيل وغني يتنوع اساليبه الشعرية ) يقول ذلك جيمس بيلنجتون امين مكتبة الكونجرس عشية اختيارها للقب امير شعراء امريكا خلفا للشاعر شارلز سيميك .
ذلك اللقب ترتبت عليه واجبات عديدة اولها قيامها بافتتاح سلسلة نشاطات مكتبة الكونجرس بقراءات شعرية من اعمالها المختلفة . محتفلة بشرف انضمامها الى قافلة الشعراء الذين نالوا اللقب سابقا امثال روبرت فروست ، لويس بوكان ، ويليام كارلوس وتشارلز سيميك .
اخر اعمالها كان مجموعة شعرية بعنوان ( نهر نياغارا ) عام 2006 وهي السادسة ضمن اعمالها وقد تناولها النقاد بالاطراء والتبجيل. ويمتاز شعرهابمحاولة النفاذ الى جوهر الاشياء الكبيرة من خلال احتفائها بالاشياء الصغيرة الواضحة فهي تكتب عن مقابض الابواب والعلاج بالابر الصينية.
ولدت ريان عام 1945 في سان جوس وترعرعت في مدينة صغيرة في سان جوكوين حين كان والدها يعمل في مجال التنقيب عن البترول _ كنت اتمنى ان اعمل شيئا يتضمن سيارة نقل وحبال تحميل _ تقول ريان ، وقد وجدت في قراءاتها الكثير من الشعر المغلف بغموض لم يرق لذائقتها _ لاأحب الوقفة المتكلفة والاعتداد العالي بالذات مثلما لا احب التخفي _ تقول ريان ضاحكة .
وعندما صرت في الثلاثين ادركت انني لا استطيع النخلي عن الشاعر الذي صرته _ وبعد رحلة شهيرة حول البلاد على دراجة هوائية انصب تركيزها على كتابة الشعر و العمل في تدريس اللغة الانجليزية في كلية مارتن كنتفيلد .
لا تكتب ريان بالطريقة التقليدية التي يكتب بهاالآخرون، فهي الوحيدة من بين الشعراء تذكرني باميلي ديكنسون _ يقول ذلك دان غيويا _ الناقد والشاعر الاميركي الشهير ، فكلاهما يكتب القصيدة القصيرة جدا ، القصيدة التي تختزل الكلام ويتسع فيها المعنى ، القصيدة ذات الكثافة ، القصيدة المعبرة عن الحكمة .
لذلك تم اختيار احدى قصائدها ( كيف تغني الطيور )؟ لتزين واجهة المتنزه الرئيسي في مدينة نيويورك ( انها هناك على الجدار الاستنادي الذي يتراكض عليه الاطفال صعودا ونزولا ) تقول ريان.
لم تقرر ريان بعد ماهو مشروعها القادم كاميرة للشعراء ، فهي تحمل افكارا محددة وواضحة عن وظيفة الشعر ، ( على الشعر ان يمنح الاخرين شعورا اكبر بالتحرر ، ويخلصهم من الأوزار ؛ وأتخيل الشعر الجيد يرفع من نسبة الأوكسجين في الهواء ، القصائد فقط تجعل التنفس اكثر سهولة .)
دمو ع التماسيح
______________
التمساح المخلص الوحيد
جفت مآقيه منذ سنوات
فلماذا نكترث لدموع التماسيح..؟
الافكار العظيمة
____________
الأفكار العظيمة
لاتطعم الأفكار الصغيرة
كما يفعل الآباء بأبنائهم
كما شجرة اليوكالبتوس
يسقط منها الورق الميت
والبقايا العقيمة
لذلك يبدو الوقوف
في بستانها دون حراك
امرا مهينا
التاج
_________
المطر الغزير
يجعل الأشجار تهوي
على الجانب الآخر من التلال
تجثو اشجار البلوط العملاقة على الركبتين
لك أن تلمس اعضاءها
وليس لك سلطة في ذلك
وحدها العصافير
تملك حق الطيران الى كل ماهو رفيع الشأن
ثنائيات
________
من ، من يراقب الأجنحة
فأنه يسنطيع أن يستخلص
كيف يتأتى للطيور
أن تقطع المسافات بذلك
الألتصاق الهزيل للأجنحة
، بطريقتها في الأنحناء الى الخلف
، وطريقتها المضحكة في الوقوف
ومن راقب اسراب الطيور على الرمال
سيعتقد انها شويكات صغيرة
نثرتها الرياح
الكثير من الثنائيات تبدو قبيحة
فهل هناك من يستطيع أن يحلم بغراب عريض الجناحين
يستطيع أن يعتزل الفضاء
ويمضي مقيد الساقين حول الأرض ..
ناعقا كعادته ..؟
تكـــــرار
________
حاول أن تسلك الطريق ذاتها
الى المتجر ذاته
مستخدما
حبل التوازن المعلق في الأعلى
ستجد أن كل خطوة لا تشبه الأخرى
المخاطر متباينة على السطوح
يتعثر المرء وحيدا
ولاشيء يحدث
قلة من لديهم الرغبة
واقل منهم الأبطال
سياسة اقصاء السياسة عن الشعر - جون برادلي
سياسة اقصاء السياسة عن الشعر
______________________________
جون برادلي
ترجمة عبود الجابري
( ليس ثمة سياسة في الأدب الأمريكي ).. بهذه العبارة اعتقدت لورا بوش أنها أغلقت الباب
وللأبد على الشعر السياسي .. فهل أفلحت..؟
السيدة الأولى كانت قد خططت لعقد حلقة دراسية تحت عنوان ( حلقة البيت الأبيض الدراسية
حول الشعر الأمريكي ) بتاريخ 12 شباط 2003 وخصصت تلك الحلقة لمناقشة أشعار (اميلي ديكنسون ، والت ويتمان و لانجستون هيوز )، غير أن آلاف الشعراء المناهضين للحرب
قاموا بكتابة آلاف النصوص التي تندد بالحرب الدائرة في العراق وكان من بينهم الشاعر والمحرر ( سام هامل ) الذي قام بتسليم النصوص الشعرية تلك إلى السيدة الأولى مما تسبب
بإلغاء تلك الحلقة .. وكان ذلك سببا لحشد المئات من المناوئين للحرب من عموم البلاد ،
وطباعة القصائد في موسوعات شعرية ، ولو تجاهلنا اثر الخلاف الذي خلفته فرضية السيدة
بوش في ( أن لامكان للسياسة في الشعر ) فإنها ربما ستتمنى لاحقا لو أنها لم تقم بإلغاء
الحلقة الدراسية . راودتني هذه الفكرة إبان معايشتي للحرب على فيتنام، تلك الحرب غير المبررة ، تسببت بأمواج من الاضطرابات المدنية التي أغنت كثيرا من التجارب في مختلف الفنون ولا سيما الشعر الذي شهد ازدهارا واضحا بعدما كان الكلام السياسي حينذاك يتركز على مواضيع محددة مثل التمييز العرقي والجنسوية ومواضيع البيئة، و من خلال قراءتنا لقصائد الشعراء ألين جنسبرغ ، أدريان ريتش ، غاري سنا يدر ودنيس ليفر توف نتعرف على عدد قليل من شعراء تلك الحقبة ممن أبدعوا أعمالا رائدة في هذا الجانب . فنحن في أمريكا نغير اهاب التاريخ كما تغير الأفعى جلدها مرددين التساؤلات ذاتها عن براءة أمريكا
، وها نحن بسذاجة تامة نعيد طرح التساؤلات ذاتها . أودّ هنا أن انقش مشهد الشعر السياسي وانعكاساته على أفكار العديد من الأمريكيين ، وقبل أن أقوم بذلك أود أن اقر بالفضل ل ( لورا بوش ) لقيامها بإلغاء الحلقة الدراسيـــــة عن الشعر الأمريكي .
الشعر في أمريكا يعيش حياة هامشية وهو يحتاج دائما إلى ما يتيسر من التأييد ، غير أن
المدهش هو التساؤل – هل يحتاج الشعر إلى تأييد من هذا النوع ؟؟- ، هل على الشعر
الأمريكي أن يروّج كشعر سياسي ؟؟ ويمكننا صياغة السؤال كمايلي ( هل على الشعر
الأمريكي أن يخصى سياسيا ..؟؟ ).وإذا ما عدنا لقراءة الشعراء الثلاثة الذين اختارتهم لورا بوش لهذا التكريم فسنجد بكل تأكيد أن كلا منهم يمتلك صوته الخاص المميز ، غير أننا لن نستطيع أن نقوم بتكريـــم أي مبدع أصيل بمعزل عن إبداعه . ولنبدأ باميلي ديكنسون:
يمكن تصنيف اميلي ديكنسون كشاعرة سياسية عند الحديث عن عزلتها الاختيارية ، حيث
لم تكن تغادر منزلها إلا نادرا ، وهناك الكثير من الروايات حول قيامها بمحادثة الزائريــن
عبر شاشة مخصصة لذلك ،ولكن هل تعني العزلة شعرا سياسيا ..؟؟
ثمة قصيدة قصيرة لديكنسون تدهشني دائما :
الأيمان اختراع عظيم
لو كان لدى الناس بصيرة
غير أنّ المجهر
أكثر حكمة عند الضرورة
اميلي ديكنسون تكتب عن المجهر عام 1860 م ؟؟ ذلك احد الأسباب التي جعلتني اطرب
لهذه القصيدة ، ولم يكن ذلك سببا وحيدا لإعجابي بها ، فجرأتها أثناء المناقشات في التعليق
على العلاقة بين الإيمان والعلم ما تزال قائمة كما لو أنها كتبت هذا الأسبوع ، كيف إذن يمكن
لهذه القصيدة أن لاتكون سياسية ؟؟ ولماذا لم تكن تعبر عن أفكارها إلاّ من خلال هذا الموضوع؟؟ اميلي ديكنسون لها باستمرار ريادة الكشف عن موضوع الإيمان من خلال
شعرها ، ومن البديهي أن لا نقرأ هذا النوع من الشعر قراءة سياسية على الرغم من إنّ بعض قصائدها تستثير الإعجاب في الوقت الحاضر ، ويجب أن تقرأ بعيدا عن المناهج
الدراسيــــة .ولكن في قصيدة قصيرة مباشرة جدا ، يبدو عسيرا تجاوز البعد السياسي في قصائد ديكنسون، واعني بالسياسي ذلك الشعر الذي يطرح بشكل مباشر او غير مباشر موضوعا اجتماعيا ، الشعر الذي يفترض أنّ حياة الأفراد ليست بمعزل عن حياة الآخرين ، الشعر السياسي برأيي يعني أن تكون تجارب الأفراد غير منفصلة عن تجارب المجتمع ، ومؤكد أنّ قصيدة ديكنسون قد كشفت عن ذلك ، وان خبرتها في استعمال المجهر في المدرسة قد زودتها بتلك الاستعارة لتكوين نظرتها الشمولية للأشياء ، وان كانت قد أمضت القسط الأكبر من حياتها في ( امهر ست ماساشوستس ) ، فأن ذلك لايعني قطيعة أبدية مع عصرها أو إنها لم تكن تملك ما تقول بشأنه، وهل كانت تجهل التأثير الجمالي لحظر السياسة في الشعر؟؟؟
دعونا نمضي إلى الشاعر الثاني في الحلقة الدراسية، ، إذا أردت أن تقرا شعرا رصينا عن
الحرب فدونك ( والت ويتمان ) ، عليك بمقارنة بواكير شعره التي تمجد البطولة في ( أوراق
العشب ) بتلك التي كتبها ابان عمله مسعفا في الحرب الأهلية، شخصيا أميل إلى قراءة
ديوان ( النفير) ، مقتطفات تبدو كأنها هذيانات محموم :
الوجوه ، الأغاني والمشاهد التي تفوق الوصف
غموض يلف المكان
وبعضهم يموت
الجراحون يعملون
والخدم بحملون المصابيح
رائحة الايثر والدم المتعفن
الضجيج، وزحام الأردية الملطخة بالدماء
الساحة المحاذية تمتليء
وثمة من هم في العراء
بعضهم على الألواح الخشبية أو على النقالات
وآخرون يتصببون عرقا
من تشنجات النزع الأخير
ينشجون ، يبكون أحيانا
الأطباء يطلقون نداءات الأمر والاستغاثة
والأدوات المعدنية الصقيلة
تخطف ضوء المصابيح
معبرة بضراوة ، ليست سياسية؟؟ تخيلوا لو أنها قرأت في قاعات الدراسة ، المكتبات العامة
الكنائس ، خلال الحرب الدائرة الآن ، لكانت أو في في صدارة الأعمال التي ترسم المشهد في العراق ، ماذا قدمت الحرب لمن قاتلوا فيها ومن سقطوا في براثنها دون أي تغيير يذكر منذ عصر ويتمان ؟؟ وهو ( ويتمان ) وان لم يعلن إدانته للحرب علانية هنا ، فان رؤيتـــه الشعرية تجردها من الشرعية ، لئن كانت هذه القصيدة غير سياسية ، أو ليست هي أمريكية ؟
الشاعر الأخير الذي اختارته السيدة بوش في الحلقة الدراسية كان أكثر المتضررين من
مواقفه السياسية، ( لانجستون هيوز ) الذي وصل إلى منصب مدير مؤسسة نشاطات
غير الأمريكيين إبان الحقبة المكارثية ، واعترف أنّ هذا المنصب لوحده لن يجعل من
الشخص شاعرا سياسيا !!! ، وهو الشاعر الذي كتب :
يبدو الآن
أنّ على الناس أن يعلموا
انه من العسير أن اصفع هتلر
لأحمي جون كرو
وهو من قال :
اجل
أقولها بوضوح
أمريكا لم تكن أمريكا بالنسبة لي
ومازلت اكرر القسم
أمريكا ستكون بذرة خالدة
إنها حلم
يسكن أعماق قلبي
وعلينا –نحن البشر –
أن نخلص أرضنا
_ الأفكار ،
النباتات،
الأنهار،
الجبال،
السهول الفسيحة
، وامتداد الولايات الخضر
لنعيد تكوين أمريكا ثانية
بينما نلحظ كثيرا من أسلوب ( ويتمان ) في هذه القصيدة ، فأن هيوز يؤسس صوته الخاص
ويرسخ ثراء الثقافة الافرو- أمريكية من خلال الثناء على القارة الأمريكية والحلم الأمريكي
الموعود ، فهو يقول بكل جرأة :
أمريكا لم تعد أمريكا بالنسبة لي
وانه مازال يحلم بما يجب ان تكون عليه أمريكا ، لو أنّها لم تنكث وعودها لجميع مواطنيها.
الم يكن رائعا لو اتيحت الفرصة لدراسة إبداع هؤلاء الشعراء في حلقة السيدة بوش ؟؟؟
على الأقل للتحقق من المذهب الذي يفترض أن ليس ثمة سياسة في الأدب الأمريكي،،
وحقيقة كنت سأنفق بسخاء لشراء تذكرة لحضور المناسبة .
** عن مجلة بميكان الثقافية الالكترونية / العدد 33 / ربيع 2007
جون برادلي
كاتب وناقد أمريكي يعمل في جامعة الينوى حيث يعيش وهو من مناهضي الحرب على العراق.
له كتابان في النقد الأدبي هما:
- الموسيقى الأرضية
- حرب على الكلمات
______________________________
جون برادلي
ترجمة عبود الجابري
( ليس ثمة سياسة في الأدب الأمريكي ).. بهذه العبارة اعتقدت لورا بوش أنها أغلقت الباب
وللأبد على الشعر السياسي .. فهل أفلحت..؟
السيدة الأولى كانت قد خططت لعقد حلقة دراسية تحت عنوان ( حلقة البيت الأبيض الدراسية
حول الشعر الأمريكي ) بتاريخ 12 شباط 2003 وخصصت تلك الحلقة لمناقشة أشعار (اميلي ديكنسون ، والت ويتمان و لانجستون هيوز )، غير أن آلاف الشعراء المناهضين للحرب
قاموا بكتابة آلاف النصوص التي تندد بالحرب الدائرة في العراق وكان من بينهم الشاعر والمحرر ( سام هامل ) الذي قام بتسليم النصوص الشعرية تلك إلى السيدة الأولى مما تسبب
بإلغاء تلك الحلقة .. وكان ذلك سببا لحشد المئات من المناوئين للحرب من عموم البلاد ،
وطباعة القصائد في موسوعات شعرية ، ولو تجاهلنا اثر الخلاف الذي خلفته فرضية السيدة
بوش في ( أن لامكان للسياسة في الشعر ) فإنها ربما ستتمنى لاحقا لو أنها لم تقم بإلغاء
الحلقة الدراسية . راودتني هذه الفكرة إبان معايشتي للحرب على فيتنام، تلك الحرب غير المبررة ، تسببت بأمواج من الاضطرابات المدنية التي أغنت كثيرا من التجارب في مختلف الفنون ولا سيما الشعر الذي شهد ازدهارا واضحا بعدما كان الكلام السياسي حينذاك يتركز على مواضيع محددة مثل التمييز العرقي والجنسوية ومواضيع البيئة، و من خلال قراءتنا لقصائد الشعراء ألين جنسبرغ ، أدريان ريتش ، غاري سنا يدر ودنيس ليفر توف نتعرف على عدد قليل من شعراء تلك الحقبة ممن أبدعوا أعمالا رائدة في هذا الجانب . فنحن في أمريكا نغير اهاب التاريخ كما تغير الأفعى جلدها مرددين التساؤلات ذاتها عن براءة أمريكا
، وها نحن بسذاجة تامة نعيد طرح التساؤلات ذاتها . أودّ هنا أن انقش مشهد الشعر السياسي وانعكاساته على أفكار العديد من الأمريكيين ، وقبل أن أقوم بذلك أود أن اقر بالفضل ل ( لورا بوش ) لقيامها بإلغاء الحلقة الدراسيـــــة عن الشعر الأمريكي .
الشعر في أمريكا يعيش حياة هامشية وهو يحتاج دائما إلى ما يتيسر من التأييد ، غير أن
المدهش هو التساؤل – هل يحتاج الشعر إلى تأييد من هذا النوع ؟؟- ، هل على الشعر
الأمريكي أن يروّج كشعر سياسي ؟؟ ويمكننا صياغة السؤال كمايلي ( هل على الشعر
الأمريكي أن يخصى سياسيا ..؟؟ ).وإذا ما عدنا لقراءة الشعراء الثلاثة الذين اختارتهم لورا بوش لهذا التكريم فسنجد بكل تأكيد أن كلا منهم يمتلك صوته الخاص المميز ، غير أننا لن نستطيع أن نقوم بتكريـــم أي مبدع أصيل بمعزل عن إبداعه . ولنبدأ باميلي ديكنسون:
يمكن تصنيف اميلي ديكنسون كشاعرة سياسية عند الحديث عن عزلتها الاختيارية ، حيث
لم تكن تغادر منزلها إلا نادرا ، وهناك الكثير من الروايات حول قيامها بمحادثة الزائريــن
عبر شاشة مخصصة لذلك ،ولكن هل تعني العزلة شعرا سياسيا ..؟؟
ثمة قصيدة قصيرة لديكنسون تدهشني دائما :
الأيمان اختراع عظيم
لو كان لدى الناس بصيرة
غير أنّ المجهر
أكثر حكمة عند الضرورة
اميلي ديكنسون تكتب عن المجهر عام 1860 م ؟؟ ذلك احد الأسباب التي جعلتني اطرب
لهذه القصيدة ، ولم يكن ذلك سببا وحيدا لإعجابي بها ، فجرأتها أثناء المناقشات في التعليق
على العلاقة بين الإيمان والعلم ما تزال قائمة كما لو أنها كتبت هذا الأسبوع ، كيف إذن يمكن
لهذه القصيدة أن لاتكون سياسية ؟؟ ولماذا لم تكن تعبر عن أفكارها إلاّ من خلال هذا الموضوع؟؟ اميلي ديكنسون لها باستمرار ريادة الكشف عن موضوع الإيمان من خلال
شعرها ، ومن البديهي أن لا نقرأ هذا النوع من الشعر قراءة سياسية على الرغم من إنّ بعض قصائدها تستثير الإعجاب في الوقت الحاضر ، ويجب أن تقرأ بعيدا عن المناهج
الدراسيــــة .ولكن في قصيدة قصيرة مباشرة جدا ، يبدو عسيرا تجاوز البعد السياسي في قصائد ديكنسون، واعني بالسياسي ذلك الشعر الذي يطرح بشكل مباشر او غير مباشر موضوعا اجتماعيا ، الشعر الذي يفترض أنّ حياة الأفراد ليست بمعزل عن حياة الآخرين ، الشعر السياسي برأيي يعني أن تكون تجارب الأفراد غير منفصلة عن تجارب المجتمع ، ومؤكد أنّ قصيدة ديكنسون قد كشفت عن ذلك ، وان خبرتها في استعمال المجهر في المدرسة قد زودتها بتلك الاستعارة لتكوين نظرتها الشمولية للأشياء ، وان كانت قد أمضت القسط الأكبر من حياتها في ( امهر ست ماساشوستس ) ، فأن ذلك لايعني قطيعة أبدية مع عصرها أو إنها لم تكن تملك ما تقول بشأنه، وهل كانت تجهل التأثير الجمالي لحظر السياسة في الشعر؟؟؟
دعونا نمضي إلى الشاعر الثاني في الحلقة الدراسية، ، إذا أردت أن تقرا شعرا رصينا عن
الحرب فدونك ( والت ويتمان ) ، عليك بمقارنة بواكير شعره التي تمجد البطولة في ( أوراق
العشب ) بتلك التي كتبها ابان عمله مسعفا في الحرب الأهلية، شخصيا أميل إلى قراءة
ديوان ( النفير) ، مقتطفات تبدو كأنها هذيانات محموم :
الوجوه ، الأغاني والمشاهد التي تفوق الوصف
غموض يلف المكان
وبعضهم يموت
الجراحون يعملون
والخدم بحملون المصابيح
رائحة الايثر والدم المتعفن
الضجيج، وزحام الأردية الملطخة بالدماء
الساحة المحاذية تمتليء
وثمة من هم في العراء
بعضهم على الألواح الخشبية أو على النقالات
وآخرون يتصببون عرقا
من تشنجات النزع الأخير
ينشجون ، يبكون أحيانا
الأطباء يطلقون نداءات الأمر والاستغاثة
والأدوات المعدنية الصقيلة
تخطف ضوء المصابيح
معبرة بضراوة ، ليست سياسية؟؟ تخيلوا لو أنها قرأت في قاعات الدراسة ، المكتبات العامة
الكنائس ، خلال الحرب الدائرة الآن ، لكانت أو في في صدارة الأعمال التي ترسم المشهد في العراق ، ماذا قدمت الحرب لمن قاتلوا فيها ومن سقطوا في براثنها دون أي تغيير يذكر منذ عصر ويتمان ؟؟ وهو ( ويتمان ) وان لم يعلن إدانته للحرب علانية هنا ، فان رؤيتـــه الشعرية تجردها من الشرعية ، لئن كانت هذه القصيدة غير سياسية ، أو ليست هي أمريكية ؟
الشاعر الأخير الذي اختارته السيدة بوش في الحلقة الدراسية كان أكثر المتضررين من
مواقفه السياسية، ( لانجستون هيوز ) الذي وصل إلى منصب مدير مؤسسة نشاطات
غير الأمريكيين إبان الحقبة المكارثية ، واعترف أنّ هذا المنصب لوحده لن يجعل من
الشخص شاعرا سياسيا !!! ، وهو الشاعر الذي كتب :
يبدو الآن
أنّ على الناس أن يعلموا
انه من العسير أن اصفع هتلر
لأحمي جون كرو
وهو من قال :
اجل
أقولها بوضوح
أمريكا لم تكن أمريكا بالنسبة لي
ومازلت اكرر القسم
أمريكا ستكون بذرة خالدة
إنها حلم
يسكن أعماق قلبي
وعلينا –نحن البشر –
أن نخلص أرضنا
_ الأفكار ،
النباتات،
الأنهار،
الجبال،
السهول الفسيحة
، وامتداد الولايات الخضر
لنعيد تكوين أمريكا ثانية
بينما نلحظ كثيرا من أسلوب ( ويتمان ) في هذه القصيدة ، فأن هيوز يؤسس صوته الخاص
ويرسخ ثراء الثقافة الافرو- أمريكية من خلال الثناء على القارة الأمريكية والحلم الأمريكي
الموعود ، فهو يقول بكل جرأة :
أمريكا لم تعد أمريكا بالنسبة لي
وانه مازال يحلم بما يجب ان تكون عليه أمريكا ، لو أنّها لم تنكث وعودها لجميع مواطنيها.
الم يكن رائعا لو اتيحت الفرصة لدراسة إبداع هؤلاء الشعراء في حلقة السيدة بوش ؟؟؟
على الأقل للتحقق من المذهب الذي يفترض أن ليس ثمة سياسة في الأدب الأمريكي،،
وحقيقة كنت سأنفق بسخاء لشراء تذكرة لحضور المناسبة .
** عن مجلة بميكان الثقافية الالكترونية / العدد 33 / ربيع 2007
جون برادلي
كاتب وناقد أمريكي يعمل في جامعة الينوى حيث يعيش وهو من مناهضي الحرب على العراق.
له كتابان في النقد الأدبي هما:
- الموسيقى الأرضية
- حرب على الكلمات
تشارلز سيميك - ثلاث قصائد
ثلاث قصائد لتشارلز سيميك
ترجمة: عبود الجابري
عيون مثبتة بالدبابيس
كيف يعمل الموت..؟
لا أحد يعلم
في اي يوم طويل سيحط رحاله
الزوجة الوحيدة دائماً
تكوي غسيل الموت
البنات الجميلات
يقمن بأعداد طاولة عشاء الموت
الجيران يلعبون الورق في الفناء الخلفي
أو يكتفون بالجلوس
على العتبات
يحتسون البيرة
وفي غضون ذلك
وفي جزءٍ غريب من المدينة
يبحث الموت عن أحدً
يسعل بشكلٍ رديءٍ
غير أن العنوان مضلّلٌ نوعاً ما
وحتى الموت لم يستطيع الإهتداء اليه
بين تلك الأبواب المقفلة جميعها
... وحيث يشرع المطر بالهطول
في ليلةٍ عاصفة...
هكذا
يموتُ بدون حتى جريدة تغطي رأسه
ودونما قطعة نقدية تمكنه بالأتصّال بمن يغيثه...
متثاقلا يتعرى على مهله...
ويوثق عاريا
الى جهة الموت في السرير...
ضـــد الشتـــاء
الحقيقة داكنة تحت جفنيك...!
فماذا ستفعل بشانها...
الطيور صامتةَُ
وما من أحد تسأُله...
ستمضي طيلة النهار محدّقا بالسماء الرمادية...
وحين تعولُ الريح
سترتجف مثل قشة
وسينمو لك صوف
مثل حملٍ ذليل
منتظرا أن يطاردوك بمجزاتهم الهائلة
الذباب يحوم حول فمٍ مفتوحٍ
وما يلبث أن يهوي
كما الأوراق...
تتبعها الأغصان العارية
بغير جدوى
الشتاءُ.. يحلّ.
مثل بطلٍ أسطوري في جيش مهزوم
بينما تظلّ في مكانك
كاشفا رأسك لنديف الثلج الأول
لحين وصول جارك
الذي يصرخ بك...
أنت أكثر جنوناً من الطقس .. يا شارلي
كتابٌ مليء بالصور
أبي الذي درس " اللاهوت " بالمراسلة
يستعدُ للإمتحان..
وأمي واجمة..
هادئاً جلستُ مع كتاب مليء بالصور
وحين هبط الليل
كانت يداي الباردتان
تلامسان وجوه الراحلين
ملوكا.. وملكات
.. ثمة معطف أسود
يتدلى من سقف غرف النوم العلوية..
ترى.. من وضعه هنالك..؟
الصلبان السريعة
التي خاطتها أمي بمجرزها الطويل
كانت سوداء
كتجاويف رأسي
الصفحات التي قلبتها..
أصدرت صوتاً كحفيف الأجنحة..
الروح طائر.. قالها ذات مرةٍ
في كتابي المليء بالصور
هدير معركة ..
رماح وسيوف تشتبك مثل غابة شتائيةً
بينما قلبي يتشظىّ وينزف
على أغصانها.
............
تشــارلــز سيميــك
- ولد تشارلز سيميك في التاسع من أيار 1938 في بلغراد – يوغسلافيا
- في عام 1953 غادر يوغسلافيا مع والدته ملتحقين بوالده في الولايات المتحدة الأمريكية.
- نشر اول اعماله في عام 1959، في عمر الحادية والعشرين ، انخرط بعدها في القوات المسلحة الأمريكية.
- له اكثر من ستين كتابا تتوزع بين الشعر والنثر والترجمة ، منها:
- ماقاله العشب
- عرسٌ في المخيم
- فندق الأرق
- العالم لا ينتهي
- نال العديد من الجوائز، آخرها اختياره مستشارا للأكاديمية الأمريكية للشعر، وحصوله على لقب امير شعراء امريكا .
- يعمل أستاذاً للغة الإنجليزية في جامعة نيو هامشاير.
ترجمة: عبود الجابري
عيون مثبتة بالدبابيس
كيف يعمل الموت..؟
لا أحد يعلم
في اي يوم طويل سيحط رحاله
الزوجة الوحيدة دائماً
تكوي غسيل الموت
البنات الجميلات
يقمن بأعداد طاولة عشاء الموت
الجيران يلعبون الورق في الفناء الخلفي
أو يكتفون بالجلوس
على العتبات
يحتسون البيرة
وفي غضون ذلك
وفي جزءٍ غريب من المدينة
يبحث الموت عن أحدً
يسعل بشكلٍ رديءٍ
غير أن العنوان مضلّلٌ نوعاً ما
وحتى الموت لم يستطيع الإهتداء اليه
بين تلك الأبواب المقفلة جميعها
... وحيث يشرع المطر بالهطول
في ليلةٍ عاصفة...
هكذا
يموتُ بدون حتى جريدة تغطي رأسه
ودونما قطعة نقدية تمكنه بالأتصّال بمن يغيثه...
متثاقلا يتعرى على مهله...
ويوثق عاريا
الى جهة الموت في السرير...
ضـــد الشتـــاء
الحقيقة داكنة تحت جفنيك...!
فماذا ستفعل بشانها...
الطيور صامتةَُ
وما من أحد تسأُله...
ستمضي طيلة النهار محدّقا بالسماء الرمادية...
وحين تعولُ الريح
سترتجف مثل قشة
وسينمو لك صوف
مثل حملٍ ذليل
منتظرا أن يطاردوك بمجزاتهم الهائلة
الذباب يحوم حول فمٍ مفتوحٍ
وما يلبث أن يهوي
كما الأوراق...
تتبعها الأغصان العارية
بغير جدوى
الشتاءُ.. يحلّ.
مثل بطلٍ أسطوري في جيش مهزوم
بينما تظلّ في مكانك
كاشفا رأسك لنديف الثلج الأول
لحين وصول جارك
الذي يصرخ بك...
أنت أكثر جنوناً من الطقس .. يا شارلي
كتابٌ مليء بالصور
أبي الذي درس " اللاهوت " بالمراسلة
يستعدُ للإمتحان..
وأمي واجمة..
هادئاً جلستُ مع كتاب مليء بالصور
وحين هبط الليل
كانت يداي الباردتان
تلامسان وجوه الراحلين
ملوكا.. وملكات
.. ثمة معطف أسود
يتدلى من سقف غرف النوم العلوية..
ترى.. من وضعه هنالك..؟
الصلبان السريعة
التي خاطتها أمي بمجرزها الطويل
كانت سوداء
كتجاويف رأسي
الصفحات التي قلبتها..
أصدرت صوتاً كحفيف الأجنحة..
الروح طائر.. قالها ذات مرةٍ
في كتابي المليء بالصور
هدير معركة ..
رماح وسيوف تشتبك مثل غابة شتائيةً
بينما قلبي يتشظىّ وينزف
على أغصانها.
............
تشــارلــز سيميــك
- ولد تشارلز سيميك في التاسع من أيار 1938 في بلغراد – يوغسلافيا
- في عام 1953 غادر يوغسلافيا مع والدته ملتحقين بوالده في الولايات المتحدة الأمريكية.
- نشر اول اعماله في عام 1959، في عمر الحادية والعشرين ، انخرط بعدها في القوات المسلحة الأمريكية.
- له اكثر من ستين كتابا تتوزع بين الشعر والنثر والترجمة ، منها:
- ماقاله العشب
- عرسٌ في المخيم
- فندق الأرق
- العالم لا ينتهي
- نال العديد من الجوائز، آخرها اختياره مستشارا للأكاديمية الأمريكية للشعر، وحصوله على لقب امير شعراء امريكا .
- يعمل أستاذاً للغة الإنجليزية في جامعة نيو هامشاير.
ستيفن ميلهاوسر - طموح القصة القصيرة
طمـــوح القصـــة القصيـــرة
الكاتب ستيفن ميلهاوسر
سـتيفـــن مـيلهــاوســــر
ترجمة: عبود الجابري
القصة القصيرة كم هي متواضعة ومهمشة، كم هي بعيدة عن الغطرسة في أخلاقها، تجلس بهدوءٍ هناك مطرقة كما لو انها تحاول أن لا تُرى، وإذا ما حدث أن لفتت اليها النظار فأنها تفعل ذلك بعجالة بصوت هامس متخوف ومستعدٍ لجميع احتمالات الخذلان.
" انا لست رواية كما ترى، ولا حتى رواية قصيرة فإن كنت تبحث عن الرواية فأنا لست ضالتك "
نادراً ما نرى شكلاً ادبياً يهيمن على شكلٍ آخر، ندرك ذلك ونكتفي بهز رؤوسنا معرفةً. هنا في أمريكا، الحجم هو القوة.
الرواية هي السوق الشامل وهي طائرة الأدب النفاثة. الرواية شرهة، لها رغبة في التهام الكون، القصة القصيرة المعدمة ماذا بوسعها أن تفعل؟
تستطيع أن تحرث بستانها، تمارس التأمل، تروي النباتات في الأصص الموضوعة على النوافذ، تستطيع أن تنخرط في دورة في الواقع الخلاّق، ويمكنها أن تفعل ما تشاء طالما انها لم تغادر موقعها طالما حافظت على هدوءها وتنحت عن وسط الطريق.
بصوتٍ صاخب تبكي الرواية وهي تختال في مسيرها، القصة القصيرة تنحني دائماً للغلاف، الرواية تتملك السهول، تقطع الأشجار، بينما تنتبذ القصة القصيرة.ركناً قصياً لتسحق تحت الأسوار.
من الطبيعي أن تكون هناك مزايا لصغر الحجم، حتى الرواية تحاول تحقيق تلك المزايا، الأشياء الكبيرة تنزع الى السيطرة دون إنتباه للتهذيب والرشاقة، صغر الحجم مملكة للأناقة والجمال، أنه كذلك مملكة للكمال.
الرواية تسعى لاستنزاف عالمٍ عصيٍ على الاستنزاف، لذلك فانها تناضل دون ان تبلغ ذلك، القصة القصيرة تسعى للمغايرة فطرّيا، وعندما تفوتها أشياء عديدة، فأنها تستطيع أن تعطي شكلاً جميلاً لما تمسك به من بقاياها. كذلك فأن القصة القصيرة تطالب بنوعٍ من الكمال الذي تتملص منه الرواية بعد أن قامت بأقصاء جذري للقصة القصيرة.
الرواية عندما تتذكر القصّة، فانها تخاطبها وبنوعٍ من الشهامة:
" انني معجبة بك " تقول ذلك واضعة يدها الخشنة على قلبها.. " انا لا أمزح " " أنتِ كذلك.. أنت كذلك جميلة، مهذبة جداً، من طبقةٍ راقيةٍ ورشيقةٍ أيضاً".
الرواية تحتوي ذاتها بصعوبة، بعد ذلك ما الذي يمكنها فعله..؟ لا شيئ أبداً سوى الكلام، ما تسعى اليه الرواية هو الفخامة.. القوة .
وعميقاً في سريرتها فإنها تزدري القصة القصيرة، التي تكتفي بأصغر المساحات.
الرواية لا تكترث لصرامة القصة القصيرة وزهدها ونكران ذاتها.
الرواية تسعى لإمتلاك المقاطعات، تسعى لإمتلاك العالم كله، بينما الكمال هو عزاء من لا يملكون شيئاً" ، ذلك ما تفعله القصة القصيرة حين تعلن عن ذاتها بتواضع، وتفاخر بمزاياها على استحياء، وتبّدد وقتها تفكيراً بعلاقةٍ نبيلةٍ مع منافستها، تجلس باسترخاءٍ وتطلق العنان للرواية لكي تحتل العالم شيئاً فشيئاً.
الأشياء البّراقة كما تبدو للعيان، يكون فيها اثر من الاختلاس حتما، ذلك الأمر هو الذي رّوض مالدى القصة القصيرة من توق، وفقاً للمزيا التي تتمع بها، ولولا ذلك، لما كان منها الإعتراف العلني بما حولها، بسب من الغريزة الشائكة في حماية الذات والسرّية التي يخلقها الظلم لدى الآخرين في عالمٍ يحكمه غرور الروايات المتتابعة، تعلمت صغيرة الحجم أن تحفر طريقها بدأبٍ لا يمكن اكتشاف مغاليقه، اتخيل القصة القصيرة تضمر في داخلها رغبة.
اتخيلها تخاطب الرواية:
" بوسعك أن تملكي كل شيئٍ... أيّ شيئ..، وجلّ ما أطلبه هو حبةُ رملٍ واحدة.."
فتهزّ الرواية كتفيها غروراً وازدراءً وتلبّي لها تلك الرغبة.
غير ان حبة الرمل تلك كانت طريق الخلاص للقصة القصيرة والمنقذ لها.
استعرتُ هذه العبارة من ويليام بليك"
" أن أرى العالم في حبة رمل "
تخيّلوا ذلك..، العالم في حبة رمل، ذلك يعني أن أي جزء من العالم مهما كان ضئيلاً فإنه يحتوي العالم كله في داخله..، ولنا أن نتخيلها بطريقة أخرى:
اذا ركزت انتباهك في أي جزء مجهول صغير من العالم، فإنك لن تجد في عمقه سوى العالم ذاته. في حبة الرمل تلك ثمة المحيط الذي يرتطم بالشاطئ، والسفن التي تمخر عباب ذلك المحيط، والشمس التي تنعكس على تلك السفن، ثمة الريح الموسمية وملاعق الشاي في " كنساس ". انه بناء كوني كما ترى.
وثمة هناك طموح القصة القصيرة، ذلك الطموح الرهيب الذي يختبئ خلف تلك البشاعات المرائية بدءاً من الجسد، صعوداً باتجاه العالم جميعه.
القصة القصيرة تؤمن بالتحوّل،تؤمن بالقوة الكامنة، بينما تفضل الرواية وضوح المشهد، فهي لا تملك صبر حبة الرمل الوحيدة، التي تلمع ولا يمكن مشاهدتها. الرواية تود ان تجمع كل الأشياء بين احضانها. الشواطئ والقارات، لكنها لن تنجح في ذلك أبداً، فالعالم أكثر اتساعاً من الرواية.. العالم الذي يتشظى في جميع الإتجاهات.
الرواية تقفز دونما هوادة من مكان الى آخر.. جائعة دونما قناعة، يعتريها خوف الوصول الى النهاية.. لأنها حين تتوقف ستكون مجهدةً دون أي أحساس بالأمان... سيهجرها العالم.
القصة القصيرة تركزّ في حبة الرمل خاصتها.. في المعتقدات المفترسة التي كانت ولا تزال، تركز في راحة يدها، حيث ينطوي العالم جميعه، تتطلع في حبة الرمل، كما يتطلع العاشق في وجه حبيبته، إنها تنتظر اللحظة التي تفصح فيها حبة الرمل عن طبيعتها.
في تلك اللحظة من البوح الصوفي، وعندما تنبثق الوردة الكونية من بذرة صغيرة، ستشعر القصة القصيرة بقّوتها، ستغدو أكبر من ذاتها.. ستغدو أكبر حجماً من الرواية.. ستكون شاسعة كما هو العالم.
في ذلك المكان، تقبع جرأة القصة القصيرة، وعدوانيتها المستترة، طريقتها في البوح، صغر حجمها هو مصدر قوتها، الكتلة الثقيلة للرواية تقوم بضربها في مشهد مضحك للضعف.
القصة القصيرة تعتذر دون ذنب، جذلى بقصرها، تتمنى لو انها تكون أقصر، تتمنى لو تكون كلمة واحدة، ولو تمّ لها العثور على تلك الكلمة التي تستطيع وصف المقام، فان الكون جميعه سيتوهج هادراً.
ذلك هو الطموح الشنيع للقصة القصيرة، ذلك هو الإخلاص الأعمق.
تلك هي عظمة الصغر........
ستيفن ميلهاوسر...
قاص وروائي أمريكي له العديد من الأعمال الروائية والقصصية أبرزها " مارتن درسلر" التي حازت جائزة البوليتزر، ورواية " صورة شخصية للعاشق 1977 " و " مملكة مورفيوس 1986 "، وله خمس مجاميع قصصية منها " مملكة صغيرة 1993 " و " الليل المسحور 1999 ".
يعمل أستاذاً في كلية سكيدمور في نيويورك ومنح جائزة الأكاديمية الأمريكية للأدب ومعهد الفنون عن مجمل أعماله.
* عن نيويورك تايمز 3 نوفمبر 2008
الكاتب ستيفن ميلهاوسر
سـتيفـــن مـيلهــاوســــر
ترجمة: عبود الجابري
القصة القصيرة كم هي متواضعة ومهمشة، كم هي بعيدة عن الغطرسة في أخلاقها، تجلس بهدوءٍ هناك مطرقة كما لو انها تحاول أن لا تُرى، وإذا ما حدث أن لفتت اليها النظار فأنها تفعل ذلك بعجالة بصوت هامس متخوف ومستعدٍ لجميع احتمالات الخذلان.
" انا لست رواية كما ترى، ولا حتى رواية قصيرة فإن كنت تبحث عن الرواية فأنا لست ضالتك "
نادراً ما نرى شكلاً ادبياً يهيمن على شكلٍ آخر، ندرك ذلك ونكتفي بهز رؤوسنا معرفةً. هنا في أمريكا، الحجم هو القوة.
الرواية هي السوق الشامل وهي طائرة الأدب النفاثة. الرواية شرهة، لها رغبة في التهام الكون، القصة القصيرة المعدمة ماذا بوسعها أن تفعل؟
تستطيع أن تحرث بستانها، تمارس التأمل، تروي النباتات في الأصص الموضوعة على النوافذ، تستطيع أن تنخرط في دورة في الواقع الخلاّق، ويمكنها أن تفعل ما تشاء طالما انها لم تغادر موقعها طالما حافظت على هدوءها وتنحت عن وسط الطريق.
بصوتٍ صاخب تبكي الرواية وهي تختال في مسيرها، القصة القصيرة تنحني دائماً للغلاف، الرواية تتملك السهول، تقطع الأشجار، بينما تنتبذ القصة القصيرة.ركناً قصياً لتسحق تحت الأسوار.
من الطبيعي أن تكون هناك مزايا لصغر الحجم، حتى الرواية تحاول تحقيق تلك المزايا، الأشياء الكبيرة تنزع الى السيطرة دون إنتباه للتهذيب والرشاقة، صغر الحجم مملكة للأناقة والجمال، أنه كذلك مملكة للكمال.
الرواية تسعى لاستنزاف عالمٍ عصيٍ على الاستنزاف، لذلك فانها تناضل دون ان تبلغ ذلك، القصة القصيرة تسعى للمغايرة فطرّيا، وعندما تفوتها أشياء عديدة، فأنها تستطيع أن تعطي شكلاً جميلاً لما تمسك به من بقاياها. كذلك فأن القصة القصيرة تطالب بنوعٍ من الكمال الذي تتملص منه الرواية بعد أن قامت بأقصاء جذري للقصة القصيرة.
الرواية عندما تتذكر القصّة، فانها تخاطبها وبنوعٍ من الشهامة:
" انني معجبة بك " تقول ذلك واضعة يدها الخشنة على قلبها.. " انا لا أمزح " " أنتِ كذلك.. أنت كذلك جميلة، مهذبة جداً، من طبقةٍ راقيةٍ ورشيقةٍ أيضاً".
الرواية تحتوي ذاتها بصعوبة، بعد ذلك ما الذي يمكنها فعله..؟ لا شيئ أبداً سوى الكلام، ما تسعى اليه الرواية هو الفخامة.. القوة .
وعميقاً في سريرتها فإنها تزدري القصة القصيرة، التي تكتفي بأصغر المساحات.
الرواية لا تكترث لصرامة القصة القصيرة وزهدها ونكران ذاتها.
الرواية تسعى لإمتلاك المقاطعات، تسعى لإمتلاك العالم كله، بينما الكمال هو عزاء من لا يملكون شيئاً" ، ذلك ما تفعله القصة القصيرة حين تعلن عن ذاتها بتواضع، وتفاخر بمزاياها على استحياء، وتبّدد وقتها تفكيراً بعلاقةٍ نبيلةٍ مع منافستها، تجلس باسترخاءٍ وتطلق العنان للرواية لكي تحتل العالم شيئاً فشيئاً.
الأشياء البّراقة كما تبدو للعيان، يكون فيها اثر من الاختلاس حتما، ذلك الأمر هو الذي رّوض مالدى القصة القصيرة من توق، وفقاً للمزيا التي تتمع بها، ولولا ذلك، لما كان منها الإعتراف العلني بما حولها، بسب من الغريزة الشائكة في حماية الذات والسرّية التي يخلقها الظلم لدى الآخرين في عالمٍ يحكمه غرور الروايات المتتابعة، تعلمت صغيرة الحجم أن تحفر طريقها بدأبٍ لا يمكن اكتشاف مغاليقه، اتخيل القصة القصيرة تضمر في داخلها رغبة.
اتخيلها تخاطب الرواية:
" بوسعك أن تملكي كل شيئٍ... أيّ شيئ..، وجلّ ما أطلبه هو حبةُ رملٍ واحدة.."
فتهزّ الرواية كتفيها غروراً وازدراءً وتلبّي لها تلك الرغبة.
غير ان حبة الرمل تلك كانت طريق الخلاص للقصة القصيرة والمنقذ لها.
استعرتُ هذه العبارة من ويليام بليك"
" أن أرى العالم في حبة رمل "
تخيّلوا ذلك..، العالم في حبة رمل، ذلك يعني أن أي جزء من العالم مهما كان ضئيلاً فإنه يحتوي العالم كله في داخله..، ولنا أن نتخيلها بطريقة أخرى:
اذا ركزت انتباهك في أي جزء مجهول صغير من العالم، فإنك لن تجد في عمقه سوى العالم ذاته. في حبة الرمل تلك ثمة المحيط الذي يرتطم بالشاطئ، والسفن التي تمخر عباب ذلك المحيط، والشمس التي تنعكس على تلك السفن، ثمة الريح الموسمية وملاعق الشاي في " كنساس ". انه بناء كوني كما ترى.
وثمة هناك طموح القصة القصيرة، ذلك الطموح الرهيب الذي يختبئ خلف تلك البشاعات المرائية بدءاً من الجسد، صعوداً باتجاه العالم جميعه.
القصة القصيرة تؤمن بالتحوّل،تؤمن بالقوة الكامنة، بينما تفضل الرواية وضوح المشهد، فهي لا تملك صبر حبة الرمل الوحيدة، التي تلمع ولا يمكن مشاهدتها. الرواية تود ان تجمع كل الأشياء بين احضانها. الشواطئ والقارات، لكنها لن تنجح في ذلك أبداً، فالعالم أكثر اتساعاً من الرواية.. العالم الذي يتشظى في جميع الإتجاهات.
الرواية تقفز دونما هوادة من مكان الى آخر.. جائعة دونما قناعة، يعتريها خوف الوصول الى النهاية.. لأنها حين تتوقف ستكون مجهدةً دون أي أحساس بالأمان... سيهجرها العالم.
القصة القصيرة تركزّ في حبة الرمل خاصتها.. في المعتقدات المفترسة التي كانت ولا تزال، تركز في راحة يدها، حيث ينطوي العالم جميعه، تتطلع في حبة الرمل، كما يتطلع العاشق في وجه حبيبته، إنها تنتظر اللحظة التي تفصح فيها حبة الرمل عن طبيعتها.
في تلك اللحظة من البوح الصوفي، وعندما تنبثق الوردة الكونية من بذرة صغيرة، ستشعر القصة القصيرة بقّوتها، ستغدو أكبر من ذاتها.. ستغدو أكبر حجماً من الرواية.. ستكون شاسعة كما هو العالم.
في ذلك المكان، تقبع جرأة القصة القصيرة، وعدوانيتها المستترة، طريقتها في البوح، صغر حجمها هو مصدر قوتها، الكتلة الثقيلة للرواية تقوم بضربها في مشهد مضحك للضعف.
القصة القصيرة تعتذر دون ذنب، جذلى بقصرها، تتمنى لو انها تكون أقصر، تتمنى لو تكون كلمة واحدة، ولو تمّ لها العثور على تلك الكلمة التي تستطيع وصف المقام، فان الكون جميعه سيتوهج هادراً.
ذلك هو الطموح الشنيع للقصة القصيرة، ذلك هو الإخلاص الأعمق.
تلك هي عظمة الصغر........
ستيفن ميلهاوسر...
قاص وروائي أمريكي له العديد من الأعمال الروائية والقصصية أبرزها " مارتن درسلر" التي حازت جائزة البوليتزر، ورواية " صورة شخصية للعاشق 1977 " و " مملكة مورفيوس 1986 "، وله خمس مجاميع قصصية منها " مملكة صغيرة 1993 " و " الليل المسحور 1999 ".
يعمل أستاذاً في كلية سكيدمور في نيويورك ومنح جائزة الأكاديمية الأمريكية للأدب ومعهد الفنون عن مجمل أعماله.
* عن نيويورك تايمز 3 نوفمبر 2008
هارولد بنتر - ربما يشيخ الموت
هارولد بنتر
ترجمة عبود الجابري
ربما يشيخ الموت
"ربما يشيخ الموت
لكنه يحتفظ بنفوذه
ويقوى على نزع سلاحك بنوره الباهر
ماكر
بحيث لاتعرف أين ينتظرك
ليلوي عزيمتك
ويعريك
كما لو أنك متأهب للقتل
لكنه يسمح لك بترتيب ساعاتك
بينما يقوم بامتصاص رحيق زهرتك الجميلة "
ربما يشيخ الموت
هارولد بنتر
ترجمة عبود الجابري
في عام 1958 كتبت السطور التالية:
(( لايوجد فرق ملموس بين ماهو حقيقي وماهو غير حقيقي ، ولابين ماهو صادق وماهو زائف. اذ ليس ضروريا أن يكون الشيء اما صادقا او زائفا ، بل يمكن أن يكون صادقا وزائفا في الوقت نفسه ))
مازال هذا الكلام في اعتقادي صحيحا ، فيما يتعلق باستكشاف الواقع في الفن ، وما زلت اتبناه من موقعي ككاتب ، اما من موقعي كمواطن فلا يمكنني قبوله ، ذلك لان من واجبي كمواطن أن اسال ماهو الحقيقي ؟ وماهو الزائف ..
تلك هي هي كلمات ( هارولد بنتر ) في متن خطابه الذي كتبه ليذاع عشية تكريمه في الاكاديمية السويدية لمناسبة فوزه بجائزة نوبل للآداب عام 2005 ، ذلك الخطاب الذي لم يتمكن من القاءه في ذروة صراعه مع سرطان المريء، فتم عرضه متلفزا . وقد تباينت ردود الافعال حول ماهية الخطاب ، حيث رأت الاكاديمية السويدية أن الخطاب ليس مكتوبا لكي يقرأ في حفل تكريم على غرار احتفالات نوبل وأن – هارولد بنتر - مازال يتخذ المنهج ذاته في تغليب السياسي على الأدبي حتى في اشد المناسبات احتفاء بالأدب وأن الخطاب أخذ شكل البيان السياسي بدلا من أن يكون خطابا أدبيا ، بينما رأى فيه العامة لسان حالهم الذي عبر عما كانوا يريدون قوله في مرحلة كانت القوة العسكرية فيصلا في جميع المحافل، وأن الاكاديمية السويدية قد استعادت رشدها وأن لمرة واحدة حين كرمت كاتبا معارضا مثل ( هارولد بنتر ) ، فيما استغل خصوم ( بنتر ) المناسبة للحديث عن أن الاكاديمية ولدوافع بعيدة عن الأدب قامت بمنحه الجائزة لعلها تخفف من غلواءه.
( هارولد بنتر) الذي حقق نجاحا عالميا كواحد من الكتاب الدراميين في مرحلة مابعد الحرب العالمية الثانية ، وقد جنح بنصوصه المسرحية الى استعمال الصمت
لاستدراج التوتر ، الصمت الذي يؤجج مشاركة المتلقي في توقع ما سيحدث ، كذلك
فانه كان يؤمن بان اللغة ليست اداة للتواصل فحسب ، وانما سلاح الذين يخضعون
للتهديد والابتزاز ، وقد كانت مواضيع التهديد والنزاعات العائلية والشك والغيرة ثيمة اساسية في نصوصه التي تذكي الصراع من اجل البقاء في حيوات ابطاله .
يقول ( بنتر ) ( لا اعرف كيفية تأثير الموسيقى في الكتابة ، فهي شديدة الأهمية بالنسبة لي ، كلا النوعين : الجاز والموسيقى الكلاسيكية ، ينتابني شعور بانسيابية الموسيقى اثناء الكتابة الأمر الذي يختلف كليا عن التأثر بها ).
( بنتر ) المولود في حي هاكني اللندني الشعبي لأبوين يهوديين ، ابن الخياط الذي كان أكثر ميلا لأمه بسبب صرامة ابيه الشديدة ، كان قد اجلي مع مجموعة من الصبيان الى قلعة في مقاطعة كورن وول الجنوبية ابان الحرب العالمية الثانية ، وهي ذكرى مؤلمة لاتفارق ذاكرته حيث مشاهد القصف اليومي وحنينه الى ابويه اللذين انتزع من بينهما .
درس في مدرسة هاكني داونز للقواعد وكان الادب الانجليزي محور اهتمامه ولاسيما الشعر، كما قرأ حينذاك اعمال كافكا وهمينغواي ، وقد اضطر لترك الدراسة في الأكاديمية الملكية للفنون المسرحية عام 1949 بسبب معارضته الانخراط في الجيش لأداء الخدمة العسكرية ، الأمر الذي قاده الى محاكمات انتهت بالاكتفاء بفرض غرامة مالية عليه (( كنت سأودع السجن ، وكنت اجلب معي فرشاة اسناني متوقعا أن يحكم علي بالسجن ، غير أن القاضي ابدى قليلا من التعاطف معي واكتفى بتغريمي ثلاثين باوندا ، ربما ستتم دعوتي الى الخدمة في الحرب القادمة ، لكنني لن اذهب ابدا )).
بدأ ( بنتر ) بنشر قصائده باسم مستعار هو ( هارولد بنتا) في مجلة الشعر اللندنية ، وعمل ممثلا ثانويا في الاذاعة البريطانية وقد درس أيضا لفترة قصيرة في المدرسة المركزية للألقاء والدراما ، وانضم الى فرقة شكسبيريانز التي تجولت في ايرلندا مدة عامين 1951- 1952 عارضة اعمالها هناك .
( الغرفة ) 1957 كانت اولى اعماله التي كتبها لفرقة جامعة بريستول وقد فرغ من كتابتها في غضون اربعة ايام ، وكانت ( ألم خفيف ) اولى اعماله الاذاعية التي اذيعت عبر الاذاعة البريطانية عام 1959 تلتها مسرحية ( حفلة عيد الميلاد ) التي عززت شهرته من خلال عاصفة من اللقاءات التي اجريت معه والعروض النقدية التي نشرت حولها آنذاك .ورغم العدائية التي اتسمت بها كتابات النقاد وقتذاك الا ان بنتر استمر في تعزيز شهرته ونجاحاته من خلال العديد من الأعمال المسرحية ابرزها (الناظر ) و ( النادل الغبي ) و ( العودة الى الوطن ) و ( القزم )
و( منظر طبيعي ) .
بعد عقود من النجاح المستمر قال ( بنتر ) عن النقاد ( بشكل عام فأني ارى ان النقاد باقة جميلة من البشر لا أهمية لها ، فنحن لا نحتاج من النقاد أن يخبروا المشاهدين بماذا يفكرون ) .
منذ السبعينات تحول ( بنتر ) الى الاخراج المسرحي وكتابة السيناريو ولعل اشهر اعماله في السيناريو رائعة مارسيل بروست ( البحث عن الزمن الضائع ) عام1977 .
منح ( بنتر ) العديد من الجوائز ابرزها جائزة الدب الفضي في مهرجان برلين السينمائي وجائزة البافتا والسعفة الذهبية في مهرجان كان السينمائي عام 1971
وجائزة الكومنولث .
تزوج ( بنتر ) من الممثلة ( فيفيان ميرجنت ) وعاشا فترة في حي ( موتنج هيل ) الفقير ، ورغم تصريحاته حول عدم قيامه بالكتابة لممثل بعينه الا أن زوجته ( فيفيان ) بدأت بالظهور تدريجيا في اعماله المسرحية ، وبعد انفصالهما تزوج من الكاتبة البريطانية ( ليدي انتونيا فريزر ) وقد توفيت زوجته الأولى عام 1982.
منذ الأنقلاب الذي اطاح بالرئيس التشيلي ( سلفادور الليندي ) عام 1973 بدأ ( بنتر ) العمل في مجال حقوق الانسان معارضا لسياسات الحكومتين الأمريكية والبريطانية ، وكانت اراؤه مثيرة للجدل على الدوام ، وقد اعلن استنكاره لتدخل حلف الناتو في أزمة كوسوفو قائلا أن ذلك( يفاقم المأساة ويزرع الرعب في قلوب الابرياء ويدمر البلاد ( وكان كذلك ضمن اللجنة الدولية التي تشكلت للدفاع عن الرئيس( سلوبودان ميلوسوفيتش ) وضمت في عضويتها المحامي الامريكي ( رامزي كلارك ) ، وكان كذلك من ابرز الكتاب الذين اعلنوا معارضتهم وتنديدهم بالحرب على العراق ساخرا من تسميتها ( حربا وقائية ) ومن الرئيس بوش :
( لقد قال بوش انه لن يدع اخطر انواع السلاح في ايدي اسوا القادة في العالم ، ذلك صحيح ايها الرفيق ، فلم لاتنظر في المرآة لترى نفسك ؟؟ )
عام 2005 اعلن ( بنتر ) اعتزاله الكتابة وتفرغه للعمل السياسي قائلا : لقد قمت بكتابة تسع وعشرين عملا مسرحيا ، ألا يكفي ذلك ؟
ترجمة عبود الجابري
ربما يشيخ الموت
"ربما يشيخ الموت
لكنه يحتفظ بنفوذه
ويقوى على نزع سلاحك بنوره الباهر
ماكر
بحيث لاتعرف أين ينتظرك
ليلوي عزيمتك
ويعريك
كما لو أنك متأهب للقتل
لكنه يسمح لك بترتيب ساعاتك
بينما يقوم بامتصاص رحيق زهرتك الجميلة "
ربما يشيخ الموت
هارولد بنتر
ترجمة عبود الجابري
في عام 1958 كتبت السطور التالية:
(( لايوجد فرق ملموس بين ماهو حقيقي وماهو غير حقيقي ، ولابين ماهو صادق وماهو زائف. اذ ليس ضروريا أن يكون الشيء اما صادقا او زائفا ، بل يمكن أن يكون صادقا وزائفا في الوقت نفسه ))
مازال هذا الكلام في اعتقادي صحيحا ، فيما يتعلق باستكشاف الواقع في الفن ، وما زلت اتبناه من موقعي ككاتب ، اما من موقعي كمواطن فلا يمكنني قبوله ، ذلك لان من واجبي كمواطن أن اسال ماهو الحقيقي ؟ وماهو الزائف ..
تلك هي هي كلمات ( هارولد بنتر ) في متن خطابه الذي كتبه ليذاع عشية تكريمه في الاكاديمية السويدية لمناسبة فوزه بجائزة نوبل للآداب عام 2005 ، ذلك الخطاب الذي لم يتمكن من القاءه في ذروة صراعه مع سرطان المريء، فتم عرضه متلفزا . وقد تباينت ردود الافعال حول ماهية الخطاب ، حيث رأت الاكاديمية السويدية أن الخطاب ليس مكتوبا لكي يقرأ في حفل تكريم على غرار احتفالات نوبل وأن – هارولد بنتر - مازال يتخذ المنهج ذاته في تغليب السياسي على الأدبي حتى في اشد المناسبات احتفاء بالأدب وأن الخطاب أخذ شكل البيان السياسي بدلا من أن يكون خطابا أدبيا ، بينما رأى فيه العامة لسان حالهم الذي عبر عما كانوا يريدون قوله في مرحلة كانت القوة العسكرية فيصلا في جميع المحافل، وأن الاكاديمية السويدية قد استعادت رشدها وأن لمرة واحدة حين كرمت كاتبا معارضا مثل ( هارولد بنتر ) ، فيما استغل خصوم ( بنتر ) المناسبة للحديث عن أن الاكاديمية ولدوافع بعيدة عن الأدب قامت بمنحه الجائزة لعلها تخفف من غلواءه.
( هارولد بنتر) الذي حقق نجاحا عالميا كواحد من الكتاب الدراميين في مرحلة مابعد الحرب العالمية الثانية ، وقد جنح بنصوصه المسرحية الى استعمال الصمت
لاستدراج التوتر ، الصمت الذي يؤجج مشاركة المتلقي في توقع ما سيحدث ، كذلك
فانه كان يؤمن بان اللغة ليست اداة للتواصل فحسب ، وانما سلاح الذين يخضعون
للتهديد والابتزاز ، وقد كانت مواضيع التهديد والنزاعات العائلية والشك والغيرة ثيمة اساسية في نصوصه التي تذكي الصراع من اجل البقاء في حيوات ابطاله .
يقول ( بنتر ) ( لا اعرف كيفية تأثير الموسيقى في الكتابة ، فهي شديدة الأهمية بالنسبة لي ، كلا النوعين : الجاز والموسيقى الكلاسيكية ، ينتابني شعور بانسيابية الموسيقى اثناء الكتابة الأمر الذي يختلف كليا عن التأثر بها ).
( بنتر ) المولود في حي هاكني اللندني الشعبي لأبوين يهوديين ، ابن الخياط الذي كان أكثر ميلا لأمه بسبب صرامة ابيه الشديدة ، كان قد اجلي مع مجموعة من الصبيان الى قلعة في مقاطعة كورن وول الجنوبية ابان الحرب العالمية الثانية ، وهي ذكرى مؤلمة لاتفارق ذاكرته حيث مشاهد القصف اليومي وحنينه الى ابويه اللذين انتزع من بينهما .
درس في مدرسة هاكني داونز للقواعد وكان الادب الانجليزي محور اهتمامه ولاسيما الشعر، كما قرأ حينذاك اعمال كافكا وهمينغواي ، وقد اضطر لترك الدراسة في الأكاديمية الملكية للفنون المسرحية عام 1949 بسبب معارضته الانخراط في الجيش لأداء الخدمة العسكرية ، الأمر الذي قاده الى محاكمات انتهت بالاكتفاء بفرض غرامة مالية عليه (( كنت سأودع السجن ، وكنت اجلب معي فرشاة اسناني متوقعا أن يحكم علي بالسجن ، غير أن القاضي ابدى قليلا من التعاطف معي واكتفى بتغريمي ثلاثين باوندا ، ربما ستتم دعوتي الى الخدمة في الحرب القادمة ، لكنني لن اذهب ابدا )).
بدأ ( بنتر ) بنشر قصائده باسم مستعار هو ( هارولد بنتا) في مجلة الشعر اللندنية ، وعمل ممثلا ثانويا في الاذاعة البريطانية وقد درس أيضا لفترة قصيرة في المدرسة المركزية للألقاء والدراما ، وانضم الى فرقة شكسبيريانز التي تجولت في ايرلندا مدة عامين 1951- 1952 عارضة اعمالها هناك .
( الغرفة ) 1957 كانت اولى اعماله التي كتبها لفرقة جامعة بريستول وقد فرغ من كتابتها في غضون اربعة ايام ، وكانت ( ألم خفيف ) اولى اعماله الاذاعية التي اذيعت عبر الاذاعة البريطانية عام 1959 تلتها مسرحية ( حفلة عيد الميلاد ) التي عززت شهرته من خلال عاصفة من اللقاءات التي اجريت معه والعروض النقدية التي نشرت حولها آنذاك .ورغم العدائية التي اتسمت بها كتابات النقاد وقتذاك الا ان بنتر استمر في تعزيز شهرته ونجاحاته من خلال العديد من الأعمال المسرحية ابرزها (الناظر ) و ( النادل الغبي ) و ( العودة الى الوطن ) و ( القزم )
و( منظر طبيعي ) .
بعد عقود من النجاح المستمر قال ( بنتر ) عن النقاد ( بشكل عام فأني ارى ان النقاد باقة جميلة من البشر لا أهمية لها ، فنحن لا نحتاج من النقاد أن يخبروا المشاهدين بماذا يفكرون ) .
منذ السبعينات تحول ( بنتر ) الى الاخراج المسرحي وكتابة السيناريو ولعل اشهر اعماله في السيناريو رائعة مارسيل بروست ( البحث عن الزمن الضائع ) عام1977 .
منح ( بنتر ) العديد من الجوائز ابرزها جائزة الدب الفضي في مهرجان برلين السينمائي وجائزة البافتا والسعفة الذهبية في مهرجان كان السينمائي عام 1971
وجائزة الكومنولث .
تزوج ( بنتر ) من الممثلة ( فيفيان ميرجنت ) وعاشا فترة في حي ( موتنج هيل ) الفقير ، ورغم تصريحاته حول عدم قيامه بالكتابة لممثل بعينه الا أن زوجته ( فيفيان ) بدأت بالظهور تدريجيا في اعماله المسرحية ، وبعد انفصالهما تزوج من الكاتبة البريطانية ( ليدي انتونيا فريزر ) وقد توفيت زوجته الأولى عام 1982.
منذ الأنقلاب الذي اطاح بالرئيس التشيلي ( سلفادور الليندي ) عام 1973 بدأ ( بنتر ) العمل في مجال حقوق الانسان معارضا لسياسات الحكومتين الأمريكية والبريطانية ، وكانت اراؤه مثيرة للجدل على الدوام ، وقد اعلن استنكاره لتدخل حلف الناتو في أزمة كوسوفو قائلا أن ذلك( يفاقم المأساة ويزرع الرعب في قلوب الابرياء ويدمر البلاد ( وكان كذلك ضمن اللجنة الدولية التي تشكلت للدفاع عن الرئيس( سلوبودان ميلوسوفيتش ) وضمت في عضويتها المحامي الامريكي ( رامزي كلارك ) ، وكان كذلك من ابرز الكتاب الذين اعلنوا معارضتهم وتنديدهم بالحرب على العراق ساخرا من تسميتها ( حربا وقائية ) ومن الرئيس بوش :
( لقد قال بوش انه لن يدع اخطر انواع السلاح في ايدي اسوا القادة في العالم ، ذلك صحيح ايها الرفيق ، فلم لاتنظر في المرآة لترى نفسك ؟؟ )
عام 2005 اعلن ( بنتر ) اعتزاله الكتابة وتفرغه للعمل السياسي قائلا : لقد قمت بكتابة تسع وعشرين عملا مسرحيا ، ألا يكفي ذلك ؟
دونالد ريفيل - قصائد
قصائد للشاعر الأ مريكي دونالد ريفيل
ترجمة عبود الجابري
شاعر، مترجم وناقد له تسع مجموعات شعرية آخرها ( سارق الأوتار ) عام 2007 ، حاز على جائزة ليونور مارشال ، كما حاز على جائزة مركز القلم الأمريكية للشعر مرتين ، ريفيل ايضا حائز على جائزة جيرترود شتاين ، وجائزة الشيستاك ، وجائزة بوشكارت . وهو عضو في الكثير من المحافل الأدبية الأمريكية والدولية ، كذلك حاز جائزة لوس انجلس تايمز للشعر عام 2005 ، وهو استاذ اللغة الانجليزية في جامعة اوتا ، والمحرر الثقافي لمجلة كولورادو ريفيو.
الحكمـــــة
كان الأمر متأخرا .. لقد منحني غوته يده الرحيمة فاخترت الموت
جون بيتر ايكرمان
ماالذي حدث؟؟
كنت سعيدا بمشقة اعتقادي بذاتي
شجرة مقطوعة ينضح من جرحها سيل من الديدان
وعلى بعد قدمين فقط
ثمة نباتات عطرية
حيث تسقط مياه الشلالات المختلفة الألوان تزهر
علىالعضايا والأوحال المتراكمة
لا
دي
دا
ذلك ما يهمني في الأمر
الوقت ، رجل او امرأة عليهما أن يفتنا بحبي
تلك هي امريكا
تلك هي الهم الأكبر
ماحدث هو أن عيني لا لون لهما
احب الطريقة التي تنبثق فيها الأزهار
من شجرة ميتة
الزجاج المكسور يضج بالحياة ايضا
وانا اتناثر في الوان شظاياه
عام الأنتخابات
الجدول .. انبثاق طيف البحيرة
كالبراري التي تلتف حولنا
صخرية جوفاء
اصوات الطائرات تلك
هي اصوات راكبي الدراجات الغرقى
يقفزون كما تقفز وصيفة العروس
اتريد أن امنحك صوتي ..؟
تستطيع أن تحظى به
عندما تتخيل الصوت الأخضر
يصدره منقار الطائر الطنان على الأخشاب الجافة
والآن .. ثمة طيوركثيرة تتدفق على الجدران
لم استطع أن أتوقع ابدا:
كل يوم ..
_ رغم أنها مشيئة الشعب -
أن أعثر على زهور جديدة ..
الملكوت
فجأة .. تتوهج ازهار نحاسية على الخشب البائد
كنت حاضرا .. أنظر اليها تتوهج ،
وثمة فتاة ترتدي ثوبا كالحا
تقضم تفاحة
وتنظر الى الأسفل باتجاه الوادي
صوب قاطرة تنفث بخارها هناك
اذهب الى الأعالي لألحق بالموت
فيرحب بي
ويريني الطريق
الصراط المضمخ بالنوررانية__
مامن انسان يستعبد انسانا آخر هنا
والنور .. تفاح معلق على الظلال
مباح لمن يشاء
قلت أن الموت فتاة صغيرة
والتفاحة في يدها
هبة الله
التي تقضمها لتلفظ حريتي من بين اسنانها
بينما شعاع الشمس
يحيل الخشب البائد
الى زهور نحاسية
*My Mojave
ال ...ظل
كما نيزك يهوي في الظهيرة
دائرة مكتملة
تسقط في بياض ناقص
تخيل الطريق الأسود
كيف يمتد بياضه في يوم مشمس
استطيع القول
أن الظلال والسراب
يكافآن العالم
يكملان تغييره
دونما تغيير
في الصباح وبعد العاصفة
نستعمل المقشات لتسوية الأمر في الخارج
ثمة شظايا زجاجية علينا جمعهافي الفناء الخلفي
وثمة غبار
مغطى باجنحة شفافة
لم تستطع الحشرات استعمالها اثناء الريح
واصابتها بخيبة أمل
لماذا تبدو الأجنحة مبعثرة في مواضع سقوطها؟؟
ولماذا هي ساكنة جدا
الم يكن بوسعها اختراق الريح ..؟
عاشق غيور
ورغبتك تسلك الطريق ذاته
وارض غيورة ايضا
لاتستطيع الأحتفاظ بالظل وحدها
في الظهيرة
روحي ترغب ان تسلك الطريق الأسود
الذي يبدو ابيضا
فانا غير ذي جدوى
تماما كألأجنحة في العاصفة
*MOJAVE: صحراء شاسعة تمتد بين كاليفورنيا وكولورادو يسكنها ألأمريكان البدائيون .
نقاء
شجرة مغروسة في قلبها
والريح تعول
كارتطام المعادن بالحصى
اين ستحط رحالها
ومامن سكون يمكنها أن تأوي اليه...؟
حين أتحدث عن الغرور
فأن الوردة
هي افضل مكان لموت النحلة
وأفضل ما تستطيعون عمله
هو أن تغرسوا أ رواحكم في الثلج
وحين تنتصبون
كونوا متكأ للآ نبياء
اعتراني ارق شديد ليلة أمس
كنت أفكر
كيف يمكن أن تكوني جبلا
وفي قلبك
تنبت شجرة ....؟
* المصدر ( (Colombia poetry review
ترجمة عبود الجابري
شاعر، مترجم وناقد له تسع مجموعات شعرية آخرها ( سارق الأوتار ) عام 2007 ، حاز على جائزة ليونور مارشال ، كما حاز على جائزة مركز القلم الأمريكية للشعر مرتين ، ريفيل ايضا حائز على جائزة جيرترود شتاين ، وجائزة الشيستاك ، وجائزة بوشكارت . وهو عضو في الكثير من المحافل الأدبية الأمريكية والدولية ، كذلك حاز جائزة لوس انجلس تايمز للشعر عام 2005 ، وهو استاذ اللغة الانجليزية في جامعة اوتا ، والمحرر الثقافي لمجلة كولورادو ريفيو.
الحكمـــــة
كان الأمر متأخرا .. لقد منحني غوته يده الرحيمة فاخترت الموت
جون بيتر ايكرمان
ماالذي حدث؟؟
كنت سعيدا بمشقة اعتقادي بذاتي
شجرة مقطوعة ينضح من جرحها سيل من الديدان
وعلى بعد قدمين فقط
ثمة نباتات عطرية
حيث تسقط مياه الشلالات المختلفة الألوان تزهر
علىالعضايا والأوحال المتراكمة
لا
دي
دا
ذلك ما يهمني في الأمر
الوقت ، رجل او امرأة عليهما أن يفتنا بحبي
تلك هي امريكا
تلك هي الهم الأكبر
ماحدث هو أن عيني لا لون لهما
احب الطريقة التي تنبثق فيها الأزهار
من شجرة ميتة
الزجاج المكسور يضج بالحياة ايضا
وانا اتناثر في الوان شظاياه
عام الأنتخابات
الجدول .. انبثاق طيف البحيرة
كالبراري التي تلتف حولنا
صخرية جوفاء
اصوات الطائرات تلك
هي اصوات راكبي الدراجات الغرقى
يقفزون كما تقفز وصيفة العروس
اتريد أن امنحك صوتي ..؟
تستطيع أن تحظى به
عندما تتخيل الصوت الأخضر
يصدره منقار الطائر الطنان على الأخشاب الجافة
والآن .. ثمة طيوركثيرة تتدفق على الجدران
لم استطع أن أتوقع ابدا:
كل يوم ..
_ رغم أنها مشيئة الشعب -
أن أعثر على زهور جديدة ..
الملكوت
فجأة .. تتوهج ازهار نحاسية على الخشب البائد
كنت حاضرا .. أنظر اليها تتوهج ،
وثمة فتاة ترتدي ثوبا كالحا
تقضم تفاحة
وتنظر الى الأسفل باتجاه الوادي
صوب قاطرة تنفث بخارها هناك
اذهب الى الأعالي لألحق بالموت
فيرحب بي
ويريني الطريق
الصراط المضمخ بالنوررانية__
مامن انسان يستعبد انسانا آخر هنا
والنور .. تفاح معلق على الظلال
مباح لمن يشاء
قلت أن الموت فتاة صغيرة
والتفاحة في يدها
هبة الله
التي تقضمها لتلفظ حريتي من بين اسنانها
بينما شعاع الشمس
يحيل الخشب البائد
الى زهور نحاسية
*My Mojave
ال ...ظل
كما نيزك يهوي في الظهيرة
دائرة مكتملة
تسقط في بياض ناقص
تخيل الطريق الأسود
كيف يمتد بياضه في يوم مشمس
استطيع القول
أن الظلال والسراب
يكافآن العالم
يكملان تغييره
دونما تغيير
في الصباح وبعد العاصفة
نستعمل المقشات لتسوية الأمر في الخارج
ثمة شظايا زجاجية علينا جمعهافي الفناء الخلفي
وثمة غبار
مغطى باجنحة شفافة
لم تستطع الحشرات استعمالها اثناء الريح
واصابتها بخيبة أمل
لماذا تبدو الأجنحة مبعثرة في مواضع سقوطها؟؟
ولماذا هي ساكنة جدا
الم يكن بوسعها اختراق الريح ..؟
عاشق غيور
ورغبتك تسلك الطريق ذاته
وارض غيورة ايضا
لاتستطيع الأحتفاظ بالظل وحدها
في الظهيرة
روحي ترغب ان تسلك الطريق الأسود
الذي يبدو ابيضا
فانا غير ذي جدوى
تماما كألأجنحة في العاصفة
*MOJAVE: صحراء شاسعة تمتد بين كاليفورنيا وكولورادو يسكنها ألأمريكان البدائيون .
نقاء
شجرة مغروسة في قلبها
والريح تعول
كارتطام المعادن بالحصى
اين ستحط رحالها
ومامن سكون يمكنها أن تأوي اليه...؟
حين أتحدث عن الغرور
فأن الوردة
هي افضل مكان لموت النحلة
وأفضل ما تستطيعون عمله
هو أن تغرسوا أ رواحكم في الثلج
وحين تنتصبون
كونوا متكأ للآ نبياء
اعتراني ارق شديد ليلة أمس
كنت أفكر
كيف يمكن أن تكوني جبلا
وفي قلبك
تنبت شجرة ....؟
* المصدر ( (Colombia poetry review
توني موريسون - استقراء الماضي
توني موريسون.. استقراء الماضي
عبود الجابري
تحرير: سوزانا روستن
ترجمة: عبود الجابري
"كنت أحثّ الخطى وحيدةً الا من عيونٍ ترافقني في مسيري، عيون تتجاهلني، عيون تتفحص إن كان لي ذيلٌ، حلمة اضافية او أثر سوطٍ على اليتي،عيون تحدق بدهشة لتقرر ان كانت سرتي في المكان الصحيح، وإن كانت ركبتاي تنثيان كقوائم الكلب، تريد ان تتأكد إن كان لساني مشطوراً كلسان الأفعى، وإن كانت اسناني على وشك الالتهام، وإن كنت استطيع القفز من وسط الظلام وأمارس العضّ!!
كنت منكمشة من الداخل وأنا أقطع طريقي وسط تلك العيون المحدقّة اعلم انني لم أعد كما كنت، انني افقد شيئاً ثميناً مع كل خطوة اسيرها، استطيع ان أشعر بالنزف، شيئ ثمين يغادرني، انا كائن يتشظى.
مع الحرف يكون لي نسب وأشعر بشرعيتي، وبدونه أنا عجل يخذله القطيع، سلحفاة دونما ترس، سمك دون مجسات، هناك فقط الظلام حيث ولدت، الظلام في الخارج والداخل أيضاً، ظلام مسنن وله ريش..؟!
هل كانت أمي تعرف ذلك ولم اختارت لي تلك الحياة..؟
عند هذه النقطة فقط، انتاب فلورنس ذلك الشعور بالضآلة، بسبب الربط بين سواد لونها وبين الشيطان.. وبعد ان قاموا بتفحص جسمها شعرت وكأنها كائن غير ادمي تحت نظراتهم.. شيئ ما مات في داخلها ، الأشياء تنظر اليها بتلك العدائية.. الأشجار.. والأشياء جميعها، وكانت تفكر ان كانوا ينظرون اليها بسبب سواد لونها وإن كانوا يرون ذلك امراً شريراً وشيطانياً وأن عليها أن تعاود التفكير بالأمر.
الآن وحين خلت الى نفسها فكرت ان كانوا على حق ؟؟شيء سيء ينمو داخلها، شيء يفتت النفس.
ذلك هو المنعطف الحاسم الذي توقفت عنده " توني موريسون " في روايتها الجديدة " فلورنس" - حيث تبحث الشرطة من مجموعة خاطفي النساء - ، لترد على هاتفها الخلوي" " انه ولدي تقول معتذرة ، انه يمازحني ربما " لتعاود الإتصال به ويجري بينهما حديث سريع حول آخر المستجدات في الإنتخابات الأمريكية.
" سنقضي وقتاً ممتعاً " وأردفت فيما بعد. "سوف نشاهد تغطية أخبار الإنتخابات على شاشة التلفاز مع مجموعة من الأصدقاء، ليلة الثلاثاء".
وعن رأيها فيما لو فاز " باراك أوباما " تقول:
" سيكون ذلك أمراً رائعاً وممتعاً وله تأثير الصدمة كما أظن " موريسون " كانت قد قالت أن بيل كلينتون أوّل رئيس أسود، " لقد قلت ذلك لأنه كان يعامل كرجل أسود وكان.....!! ثم صمتت قائلة " على اية حال، لا أستطيع أن أقول شيئاً، لم يعد للأمر أهمية" ثم عادت لتكمل حديثها عن اوباما.
"لم أتعرف عليه، لقد تعرفت على " هيلاري "..، وكنت احبها وأحترمها لسنوات طويلة،" المرة الأولى التي اتصل فيها اوباما طالباً مساندتها قابلتها بالرفض ولكن " لقد تبادلنا الحديث لوقت قصير" وفي كانون الثاني غيرت رأيها وكتبت له رسالة متقدة تثني فيها على حكمته".
" رحمة " رواية موريسون التي كتبتها خلال السنوات الخمس الأخيرة، نشرت في بريطانيا، وتم توزيعها في أمريكا مؤخراً، على الرغم من أن موعد النشر قد تم توقيته ليكون بعد اختيار " باراك أوباما " مرشحاً للحزب الديمقراطي، وهو أمر لم يكن مصادفة على الإطلاق".
في " رحمة " تكتب الروائية الحائزة على نوبل ذات السبعة وسبعين عاماً، بشكل مباشر حول " الرقّ " في أمريكا، لأول مرة منذ روايتها " محبوبة" ورغم اختلاف " رحمة " عن بقية رواياتها،- تقع غالبية احداث الرواية في القرن السابع عشر- ، تقول موريسون عن الرواية "انها محاولة للفصل بين الرق والعنصرية، لمعرفة الكيفية التي ترسخ فيها ذلك المفهوم وغرس بتأنٍّ ، من أجل حماية تلك الفئة من الإضطهاد ومصادرة اسس حياتهم المدنية، مثلما هو قرار الشعب الأمريكي بانتخاب امريكي من اصول افريقية رئيساً انه أمر بديع.".
هكذا تدفع الكاتبة الأمريكية من أصول افريقية بوجهة نظرها حول امريكا الخالية من الفساد، او امريكا التي دبّ فيها الفساد عبر التفكير بطريقة عنصرية.
تمتد شهرة موريسون الى عقود أربعة انجزت فيها تسع روايات أوغلت عميقا وبشكل جرئ في التاريخ الأمريكي.
" تشكل كتبي اسئلة بالنسبة لي.. ماذا لو..؟ وماذا تشعر ..؟ او كيف كانت ستبدو لو استبعدنا العنصرية منها..؟ وكيف كانت ستبدو لو تحققت لك المدينة المدينة الفاضلة..؟ كل ما تمنيت تحقيقه..؟ أسئلة تبدو مغالية في طرحها.. وتبحث عمن يطرحها بوضوح، وتعتمد عملية البناء الروائي على كيفية جمعها معا".
كتبت " موريسون" روايتها الأولى العيون الأكثر زرقة- 1970 بينما كانت تعمل طيلة النهار مسؤولة عن تربية اثنين من اولادها في نيويورك، وقد أظهرت فيها براعة ادبية عالية في رصد تحولات الحياة عند الفتيات السود القاصرات اللواتي كن يعشن في مسقط رأسها - لورين- في أوهايو.
" سولا 1973" تتحدث عن صداقة نسائية مستوحاة جزئيا من حياتها كأم وتفاصيل أخرى لها علاقة بنشاط الحركات النسوية التي كانت سائدة انذاك.. بينما.. تتحدث " اغنية سليمان" عن البطولة والإغتراب.. لكنها في " محبوبة " الرواية التي حازت جائزة نوبل، تكتب عن ميراث الرق في القرن العشرين والقوانين التي وضعت من اجل ذلك، وكانت قبل ذلك قد بدأت حياتها بتأليف موسوعة التاريخ الأفرو - أمريكي " الكتاب الأسود".
" محبوبة " التي تحكي قصة جارية تهرب من مالكها السابق الذي يقوم بالبحث عنها، مفضلة أن تقوم بذبح ابنتها على القيام بتسليمها له.
انها رواية الرعب المكتوم،وناهيك عن الوحشية التي تتخلل الأحداث، فإن موريسون تقابلنا بالألم الذي لا يمكن للذاكرة تجاوزه.. الألم الذ يعّد " واحداً من اكثر الأساليب وحشية في التاريخ البشري.. عمل لم يسبق للمنظمات التي تعنى بحقوق الإنسان ان لاحظته من قبل " كما تقول " مارغريت اتوود ".- الناشطة في مجال حقوق الاقليات -
"كنّا محكومين بشدة بالثقافة الافرو - أمريكية، فكان بديهياً أن يكون الرق جزءً من تلك الثقافة"، تتحدث موريسون عن نشاتها، علاوة على الضغط الذي لم ترغب بتذكره وانما بكيفية التغلب عليه، لذلك فانها عندما كتبت " محبوبة "، فإن فن النسيان كان جزءً اساسياً في البناء.
وحين لم تفلح محبوبة بالظفر بجائزة الكتاب الدولي، انبرى اكثر من من ( 48 ) ناقداً وكاتباً من بينهم " مايا انجلو " و " اليس ووكر " بالكتابة الى نيويورك تايمز متحدثين عن فضائل ادب موريسون فمنحت على اثرها جائزة " البوليتزر "، موريسون ذاتها تنبهت الى ان هناك مناصرة جماهيرية لما تنجزه الكاتبات السود وبعد أن نالت " نوبل عام 1993 كتبت "بأنها قد حصلت على شهادة للزهو" .
تتفق موريسون مع النقاد الذين يرون أن الحبكة الروائية لديها محصورة في نطاق ضيق شأنها شأن " جويس و دستو يفسكي" حيث كتب جويس عن ايرلندا ودستويفسكي حول روسيا وكانت موريسون تسلط الرأي على اهمية الاعتداد بحرية الرأي بعيداً عن الإستبداد، معبرة عن ذلك بطريقة رقيقة تتجلى فيها انوثتها.
منذ عدة سنوات اشترت منزلاً في برنستون.. في شارع مليء بالأشجار الكثيفة ضمن الحرم الجامعي.. وقد خصصت الطابق العلوي منه لحفيدتيها.. .." أعلم أنه ترف مبالغ فيه غير انني استمتع بذلك انه نقيض ما عشته في طفولتي في " اوهايو ".
ولدت " موريسون " في عام 1931.. واسمها الحقيقي " كولي انتوني " في ردفورد وتوني لقبها الذي اتخذته خلال فترة الدراسة " اما"موريسون " فاتخذته من زوجها السابق..، كان والدها يعمل في مجال لحام المعادن،" حين بدأت الحرب بدأ كل شيء ينفد لدينا، وكانت خلافات والدي كما هي خلافات الفقراء أنذاك".
تقول " موريسون " انها تتمنى ان ترى اولادها بشكل مغاير بعيد عن بشاعة التمييز العنصري التي سادت اعوام الثمانينات" ، وحين سألتها متى شعرت انها قد عوملت وفقاً للون بشرتها ؟ وهل احست يوما انها مهددة بسبب ذلك؟؟ أجابت بعصبية ان السؤال يمكن ان يكون " متى شعرت انك امرأة بيضاء..؟"
غير ان دروس الماضي متباينة لدى والديها " لم يكن أبي يثق بأي شخص ابيض.. لم يكن يسمح لهم بدخول منزلنا.. موظفي التأمين وسواهم.. " ولحسن الحظ فإن أمي كانت على النقيض من ذلك، كانت مختلفة تماما.. وتقابل الناس بناءً على تقييمها لهم كانت أمي تتكلم عن طفولتها في الجنوب حيث غادرت وهي في السادسة بشغف وحميمية وانتماء، بينما يتكلم ابي عن مسقط راسه بطريقة مختلفة بكل معنى الكلمة لكنه رغم ذلك يقوم سنويا بزيارة المكان الذي يكرهه " جورجيا " بينما لم تزر امي " الباما " المكان الذي كانت تحب .. أبداً..
مثل هذه الصراعات كانت تتكرر في رواياتها التي تحفر في مواضيع التنافر الديني والسياسي والعرقي، من خلال فضح الممارسات التي كانت سائدة انذاك، لقد اختارت الدراسة في كلية " هوارد " في " واشنطن ". لأنها رغبت ان تبقى محيطة بالثقافة الفكرية للناس السود وبذلت قصارى جهدها لإستيعاب واكتشاف الأثار التي ترتبت على اندماج تلك المكونات وتسوية الخلاف بينها.
عن الغارديان 1 نوفمبر 2008
عبود الجابري
تحرير: سوزانا روستن
ترجمة: عبود الجابري
"كنت أحثّ الخطى وحيدةً الا من عيونٍ ترافقني في مسيري، عيون تتجاهلني، عيون تتفحص إن كان لي ذيلٌ، حلمة اضافية او أثر سوطٍ على اليتي،عيون تحدق بدهشة لتقرر ان كانت سرتي في المكان الصحيح، وإن كانت ركبتاي تنثيان كقوائم الكلب، تريد ان تتأكد إن كان لساني مشطوراً كلسان الأفعى، وإن كانت اسناني على وشك الالتهام، وإن كنت استطيع القفز من وسط الظلام وأمارس العضّ!!
كنت منكمشة من الداخل وأنا أقطع طريقي وسط تلك العيون المحدقّة اعلم انني لم أعد كما كنت، انني افقد شيئاً ثميناً مع كل خطوة اسيرها، استطيع ان أشعر بالنزف، شيئ ثمين يغادرني، انا كائن يتشظى.
مع الحرف يكون لي نسب وأشعر بشرعيتي، وبدونه أنا عجل يخذله القطيع، سلحفاة دونما ترس، سمك دون مجسات، هناك فقط الظلام حيث ولدت، الظلام في الخارج والداخل أيضاً، ظلام مسنن وله ريش..؟!
هل كانت أمي تعرف ذلك ولم اختارت لي تلك الحياة..؟
عند هذه النقطة فقط، انتاب فلورنس ذلك الشعور بالضآلة، بسبب الربط بين سواد لونها وبين الشيطان.. وبعد ان قاموا بتفحص جسمها شعرت وكأنها كائن غير ادمي تحت نظراتهم.. شيئ ما مات في داخلها ، الأشياء تنظر اليها بتلك العدائية.. الأشجار.. والأشياء جميعها، وكانت تفكر ان كانوا ينظرون اليها بسبب سواد لونها وإن كانوا يرون ذلك امراً شريراً وشيطانياً وأن عليها أن تعاود التفكير بالأمر.
الآن وحين خلت الى نفسها فكرت ان كانوا على حق ؟؟شيء سيء ينمو داخلها، شيء يفتت النفس.
ذلك هو المنعطف الحاسم الذي توقفت عنده " توني موريسون " في روايتها الجديدة " فلورنس" - حيث تبحث الشرطة من مجموعة خاطفي النساء - ، لترد على هاتفها الخلوي" " انه ولدي تقول معتذرة ، انه يمازحني ربما " لتعاود الإتصال به ويجري بينهما حديث سريع حول آخر المستجدات في الإنتخابات الأمريكية.
" سنقضي وقتاً ممتعاً " وأردفت فيما بعد. "سوف نشاهد تغطية أخبار الإنتخابات على شاشة التلفاز مع مجموعة من الأصدقاء، ليلة الثلاثاء".
وعن رأيها فيما لو فاز " باراك أوباما " تقول:
" سيكون ذلك أمراً رائعاً وممتعاً وله تأثير الصدمة كما أظن " موريسون " كانت قد قالت أن بيل كلينتون أوّل رئيس أسود، " لقد قلت ذلك لأنه كان يعامل كرجل أسود وكان.....!! ثم صمتت قائلة " على اية حال، لا أستطيع أن أقول شيئاً، لم يعد للأمر أهمية" ثم عادت لتكمل حديثها عن اوباما.
"لم أتعرف عليه، لقد تعرفت على " هيلاري "..، وكنت احبها وأحترمها لسنوات طويلة،" المرة الأولى التي اتصل فيها اوباما طالباً مساندتها قابلتها بالرفض ولكن " لقد تبادلنا الحديث لوقت قصير" وفي كانون الثاني غيرت رأيها وكتبت له رسالة متقدة تثني فيها على حكمته".
" رحمة " رواية موريسون التي كتبتها خلال السنوات الخمس الأخيرة، نشرت في بريطانيا، وتم توزيعها في أمريكا مؤخراً، على الرغم من أن موعد النشر قد تم توقيته ليكون بعد اختيار " باراك أوباما " مرشحاً للحزب الديمقراطي، وهو أمر لم يكن مصادفة على الإطلاق".
في " رحمة " تكتب الروائية الحائزة على نوبل ذات السبعة وسبعين عاماً، بشكل مباشر حول " الرقّ " في أمريكا، لأول مرة منذ روايتها " محبوبة" ورغم اختلاف " رحمة " عن بقية رواياتها،- تقع غالبية احداث الرواية في القرن السابع عشر- ، تقول موريسون عن الرواية "انها محاولة للفصل بين الرق والعنصرية، لمعرفة الكيفية التي ترسخ فيها ذلك المفهوم وغرس بتأنٍّ ، من أجل حماية تلك الفئة من الإضطهاد ومصادرة اسس حياتهم المدنية، مثلما هو قرار الشعب الأمريكي بانتخاب امريكي من اصول افريقية رئيساً انه أمر بديع.".
هكذا تدفع الكاتبة الأمريكية من أصول افريقية بوجهة نظرها حول امريكا الخالية من الفساد، او امريكا التي دبّ فيها الفساد عبر التفكير بطريقة عنصرية.
تمتد شهرة موريسون الى عقود أربعة انجزت فيها تسع روايات أوغلت عميقا وبشكل جرئ في التاريخ الأمريكي.
" تشكل كتبي اسئلة بالنسبة لي.. ماذا لو..؟ وماذا تشعر ..؟ او كيف كانت ستبدو لو استبعدنا العنصرية منها..؟ وكيف كانت ستبدو لو تحققت لك المدينة المدينة الفاضلة..؟ كل ما تمنيت تحقيقه..؟ أسئلة تبدو مغالية في طرحها.. وتبحث عمن يطرحها بوضوح، وتعتمد عملية البناء الروائي على كيفية جمعها معا".
كتبت " موريسون" روايتها الأولى العيون الأكثر زرقة- 1970 بينما كانت تعمل طيلة النهار مسؤولة عن تربية اثنين من اولادها في نيويورك، وقد أظهرت فيها براعة ادبية عالية في رصد تحولات الحياة عند الفتيات السود القاصرات اللواتي كن يعشن في مسقط رأسها - لورين- في أوهايو.
" سولا 1973" تتحدث عن صداقة نسائية مستوحاة جزئيا من حياتها كأم وتفاصيل أخرى لها علاقة بنشاط الحركات النسوية التي كانت سائدة انذاك.. بينما.. تتحدث " اغنية سليمان" عن البطولة والإغتراب.. لكنها في " محبوبة " الرواية التي حازت جائزة نوبل، تكتب عن ميراث الرق في القرن العشرين والقوانين التي وضعت من اجل ذلك، وكانت قبل ذلك قد بدأت حياتها بتأليف موسوعة التاريخ الأفرو - أمريكي " الكتاب الأسود".
" محبوبة " التي تحكي قصة جارية تهرب من مالكها السابق الذي يقوم بالبحث عنها، مفضلة أن تقوم بذبح ابنتها على القيام بتسليمها له.
انها رواية الرعب المكتوم،وناهيك عن الوحشية التي تتخلل الأحداث، فإن موريسون تقابلنا بالألم الذي لا يمكن للذاكرة تجاوزه.. الألم الذ يعّد " واحداً من اكثر الأساليب وحشية في التاريخ البشري.. عمل لم يسبق للمنظمات التي تعنى بحقوق الإنسان ان لاحظته من قبل " كما تقول " مارغريت اتوود ".- الناشطة في مجال حقوق الاقليات -
"كنّا محكومين بشدة بالثقافة الافرو - أمريكية، فكان بديهياً أن يكون الرق جزءً من تلك الثقافة"، تتحدث موريسون عن نشاتها، علاوة على الضغط الذي لم ترغب بتذكره وانما بكيفية التغلب عليه، لذلك فانها عندما كتبت " محبوبة "، فإن فن النسيان كان جزءً اساسياً في البناء.
وحين لم تفلح محبوبة بالظفر بجائزة الكتاب الدولي، انبرى اكثر من من ( 48 ) ناقداً وكاتباً من بينهم " مايا انجلو " و " اليس ووكر " بالكتابة الى نيويورك تايمز متحدثين عن فضائل ادب موريسون فمنحت على اثرها جائزة " البوليتزر "، موريسون ذاتها تنبهت الى ان هناك مناصرة جماهيرية لما تنجزه الكاتبات السود وبعد أن نالت " نوبل عام 1993 كتبت "بأنها قد حصلت على شهادة للزهو" .
تتفق موريسون مع النقاد الذين يرون أن الحبكة الروائية لديها محصورة في نطاق ضيق شأنها شأن " جويس و دستو يفسكي" حيث كتب جويس عن ايرلندا ودستويفسكي حول روسيا وكانت موريسون تسلط الرأي على اهمية الاعتداد بحرية الرأي بعيداً عن الإستبداد، معبرة عن ذلك بطريقة رقيقة تتجلى فيها انوثتها.
منذ عدة سنوات اشترت منزلاً في برنستون.. في شارع مليء بالأشجار الكثيفة ضمن الحرم الجامعي.. وقد خصصت الطابق العلوي منه لحفيدتيها.. .." أعلم أنه ترف مبالغ فيه غير انني استمتع بذلك انه نقيض ما عشته في طفولتي في " اوهايو ".
ولدت " موريسون " في عام 1931.. واسمها الحقيقي " كولي انتوني " في ردفورد وتوني لقبها الذي اتخذته خلال فترة الدراسة " اما"موريسون " فاتخذته من زوجها السابق..، كان والدها يعمل في مجال لحام المعادن،" حين بدأت الحرب بدأ كل شيء ينفد لدينا، وكانت خلافات والدي كما هي خلافات الفقراء أنذاك".
تقول " موريسون " انها تتمنى ان ترى اولادها بشكل مغاير بعيد عن بشاعة التمييز العنصري التي سادت اعوام الثمانينات" ، وحين سألتها متى شعرت انها قد عوملت وفقاً للون بشرتها ؟ وهل احست يوما انها مهددة بسبب ذلك؟؟ أجابت بعصبية ان السؤال يمكن ان يكون " متى شعرت انك امرأة بيضاء..؟"
غير ان دروس الماضي متباينة لدى والديها " لم يكن أبي يثق بأي شخص ابيض.. لم يكن يسمح لهم بدخول منزلنا.. موظفي التأمين وسواهم.. " ولحسن الحظ فإن أمي كانت على النقيض من ذلك، كانت مختلفة تماما.. وتقابل الناس بناءً على تقييمها لهم كانت أمي تتكلم عن طفولتها في الجنوب حيث غادرت وهي في السادسة بشغف وحميمية وانتماء، بينما يتكلم ابي عن مسقط راسه بطريقة مختلفة بكل معنى الكلمة لكنه رغم ذلك يقوم سنويا بزيارة المكان الذي يكرهه " جورجيا " بينما لم تزر امي " الباما " المكان الذي كانت تحب .. أبداً..
مثل هذه الصراعات كانت تتكرر في رواياتها التي تحفر في مواضيع التنافر الديني والسياسي والعرقي، من خلال فضح الممارسات التي كانت سائدة انذاك، لقد اختارت الدراسة في كلية " هوارد " في " واشنطن ". لأنها رغبت ان تبقى محيطة بالثقافة الفكرية للناس السود وبذلت قصارى جهدها لإستيعاب واكتشاف الأثار التي ترتبت على اندماج تلك المكونات وتسوية الخلاف بينها.
عن الغارديان 1 نوفمبر 2008
باربارا راس
لا يمكنكِ الحصول على كل شيء
باربارا راس
ترجمة : عبود الجابري
غير أنّ لك شجرة التين
باوراقها السميكة مثل كفَي مهرجٍ ملفوفتين بالاخضر
لك لمسٌة على خدك
من اصبع ولد وحيد
في الحادية عشرة من العمر
يوقظك عند الواحدة صباحا
ليخبرك بعودة (( الهامستر ))
لك مواء القطة
والنظرة المعبرة للكلب الأسود
النظرة التي تقول
لو أستطيع
أن أعض كل حزن .. حتى يتوارى
وعندما يحل شهر آب
فسيكون لك كله
آب .. وماهو أكثر غزارة
لك الحب
الذي سيكون – على الأغلب - غامضا
يشبه الرغوة البيضاء
تلك التي تطفو على سطح قدر الفاصولياء
فوق الكلى الحمر
حتّى تدركي انّ الدم
هو توأم الرغوة
لك الجلد
الذي يتمركز بين ساقي الرجل
صلبا جدا
كأنه دمية
لك حياة العقل
الذي يتوهج احيانا
بأثواب الكهنوت
ولايقر بتفاهته ابدا
لايتنازل لرشوة الحارس المتجهم
الذي يخبره أن الطرق ضيقة على الحدود
لك أن تتكلمي لغة غريبة
ربما تعني شيئا بعض الأحيان
لك أن تزوري الشاهدة في المقبرة
هناك حيث بكى ابوك بضراوة
غير انك لن تستطيعي ان تعيدي الميت
لك كلمتا الغفران والنسيان
متشابكتان بالايدي
كما لو انهما تتقاسمان الحياة
تستطيعين ان تشعري بالامتنان
لاختلاق طريقة لتقبيل وجهك
نصف اشتعال
نصف فقدان للذاكرة
ممتنة لموزارت
لانغامه التي تسابق احداها الأخرى
صوب البهجة
لمناشف
تمتص القطرات من على جلدك النظيف
للتوق الأعمق لثمرة العاطفة
لّلعاب
لك ايضا ناصية الحلم
حلم مصر
وخيولها التي تركبينها على الرمال اللاهبة
لك صورة جدك جالسا بجانب سريرك
على الاقل لبرهة واحدة
لك الغيوم والرسائل
واختزال المسافات
والطعام الهندي بصلصته الصفراء
كشروق الشمس
لن تستطيعي ان تعتمدي على القدر
ليختارك خارج الحشد
ولكن هاهي صديقتك تدربك كيف تقفزين عاليا
كيف ترمين بنفسك الى الوراء
فوق العتبة
ريثما تتعرفين على الحب
على الاستسلام اللذيذ
هنا ك حيث نباتات الونكة
_ الحافلات الجاثية
والحقول التي في المخيلة
حقيقية كما في افريقيا
وعندما يخذلك العمر
تستطيعين ان تستحضري
- ذاكرة بجعة سوداء
في بركة طفولتك
- خبز الجاودار
بزبدة الفول السوداني والموز
الذي كانت تعطيك اياه جدتك
بينماتنام بقية العائلة
وهنالك الصوت الذي تستطيعين استحضاره عندما تشائين
كصوت امك
صوت سيهمس دائما
لن يمكنك الحصول على كلّ شيء
فهذا كل شيء
.........
** من مجموعة (( أعضّ كلّ حزن )) – منشورات مطبعة جامعة لويزيانا /1998
باربارا راس
- ولدت عام 1949 في مدينة بدفورد /ولاية ماساشوستس /امريكا
- صدر لها مجموعتان شعريتان:
• تعرية الطقس /1975
• اعضّ كل حزن / 1998 والتي حازت على جائزة والت ويتمان
التي تمنحها الاكاديمية الامريكية للشعر .
- كما صدر لها كتاب عن كوستاريكا ضمن سلسلة ادب الرحلات .
- تعمل في جامعة جورجيا حاليا ..
باربارا راس
ترجمة : عبود الجابري
غير أنّ لك شجرة التين
باوراقها السميكة مثل كفَي مهرجٍ ملفوفتين بالاخضر
لك لمسٌة على خدك
من اصبع ولد وحيد
في الحادية عشرة من العمر
يوقظك عند الواحدة صباحا
ليخبرك بعودة (( الهامستر ))
لك مواء القطة
والنظرة المعبرة للكلب الأسود
النظرة التي تقول
لو أستطيع
أن أعض كل حزن .. حتى يتوارى
وعندما يحل شهر آب
فسيكون لك كله
آب .. وماهو أكثر غزارة
لك الحب
الذي سيكون – على الأغلب - غامضا
يشبه الرغوة البيضاء
تلك التي تطفو على سطح قدر الفاصولياء
فوق الكلى الحمر
حتّى تدركي انّ الدم
هو توأم الرغوة
لك الجلد
الذي يتمركز بين ساقي الرجل
صلبا جدا
كأنه دمية
لك حياة العقل
الذي يتوهج احيانا
بأثواب الكهنوت
ولايقر بتفاهته ابدا
لايتنازل لرشوة الحارس المتجهم
الذي يخبره أن الطرق ضيقة على الحدود
لك أن تتكلمي لغة غريبة
ربما تعني شيئا بعض الأحيان
لك أن تزوري الشاهدة في المقبرة
هناك حيث بكى ابوك بضراوة
غير انك لن تستطيعي ان تعيدي الميت
لك كلمتا الغفران والنسيان
متشابكتان بالايدي
كما لو انهما تتقاسمان الحياة
تستطيعين ان تشعري بالامتنان
لاختلاق طريقة لتقبيل وجهك
نصف اشتعال
نصف فقدان للذاكرة
ممتنة لموزارت
لانغامه التي تسابق احداها الأخرى
صوب البهجة
لمناشف
تمتص القطرات من على جلدك النظيف
للتوق الأعمق لثمرة العاطفة
لّلعاب
لك ايضا ناصية الحلم
حلم مصر
وخيولها التي تركبينها على الرمال اللاهبة
لك صورة جدك جالسا بجانب سريرك
على الاقل لبرهة واحدة
لك الغيوم والرسائل
واختزال المسافات
والطعام الهندي بصلصته الصفراء
كشروق الشمس
لن تستطيعي ان تعتمدي على القدر
ليختارك خارج الحشد
ولكن هاهي صديقتك تدربك كيف تقفزين عاليا
كيف ترمين بنفسك الى الوراء
فوق العتبة
ريثما تتعرفين على الحب
على الاستسلام اللذيذ
هنا ك حيث نباتات الونكة
_ الحافلات الجاثية
والحقول التي في المخيلة
حقيقية كما في افريقيا
وعندما يخذلك العمر
تستطيعين ان تستحضري
- ذاكرة بجعة سوداء
في بركة طفولتك
- خبز الجاودار
بزبدة الفول السوداني والموز
الذي كانت تعطيك اياه جدتك
بينماتنام بقية العائلة
وهنالك الصوت الذي تستطيعين استحضاره عندما تشائين
كصوت امك
صوت سيهمس دائما
لن يمكنك الحصول على كلّ شيء
فهذا كل شيء
.........
** من مجموعة (( أعضّ كلّ حزن )) – منشورات مطبعة جامعة لويزيانا /1998
باربارا راس
- ولدت عام 1949 في مدينة بدفورد /ولاية ماساشوستس /امريكا
- صدر لها مجموعتان شعريتان:
• تعرية الطقس /1975
• اعضّ كل حزن / 1998 والتي حازت على جائزة والت ويتمان
التي تمنحها الاكاديمية الامريكية للشعر .
- كما صدر لها كتاب عن كوستاريكا ضمن سلسلة ادب الرحلات .
- تعمل في جامعة جورجيا حاليا ..
الاثنين، 5 يناير 2009
فهرس الأخطاء - والأنموذج المُحزِن للتيه العراقي:عبود الجابري. . . شاعر يستقطر عسل الكلام
- فهرس الأخطاء - والأنموذج المُحزِن للتيه العراقي:عبود الجابري. . . شاعر يستقطر عسل الكلام
- ___________________________
عدنان حسين أحمد
تحتاج التجربة الشعرية لعبود الجابري الى معاينة خاصة لأكثر من سبب. فهو شاعر متأنٍ من جهة، ولا أريد أن أقول مٌقلاً في كتابة نصوصه الشعرية، لأن الشِعرَ هاجسه الأول والأخير مذ عرفته في عمّان في نهاية النصف الأول من تسعينات القرن الماضي. كما أنه ينتمي الى جيل " الحرب والشَتات " من جهة أخرى. وقد شهد شعراء هذا الجيل المُحبَط نزوحاً جماعياً غير مسبوق عبر منْفذٍ واحد وهو الأردن الذي كان يشكِّل لهم " نقطة إستراحة " سوف تفضي لاحقاً بأغلب الأدباء العراقيين الى مصائرهم المتقاطعة المجهولة. غير أن الجابري آثرَ البقاء في عمّان مُستجيباً لشروط " الإقامة العاطفية " بعد أن منَّ الله عليه بزوجة نبيلة قررت أن تشدّه الى عمّان بخمسة أولاد، تاركة إياه " يفهرس أخطاءه " كيفما يشاء. وقد طبعت الحرب بصماتها على مجمل تجربته الشعرية بحيث لم ينجُ من أسارها إلا نزر قليل من القصائد التي وجدت طريقها الى غابة الأسئلة الوجودية المؤرِّقة، الأمر الذي أضفى على قصائده بُعداً فلسفياً مقروناً بصور شعرية جذابة ذات حلاوة وطلاوة لا تخطئهما الأذن المدربة.
تستدعي شعرية الجابري التي نضجت على نار هادئة طوال عقدين أو يزيد بوصلة ما تُدل الناقد الى الجهة التي يمضي إليها الشاعر، فلا بد من هدف ما يروم الوصول إليه، حتى وإن كان هذا الهدف سراباً أو متاهة، أو حلماً بعيد المنال. ومن خلال قراءتي المتواضعة لهذه المجموعة الشعرية التي تتألف من " 25 " قصيدة ألبسها الشاعر لبوس " الأخطاء المُقتَرفة " من قِبَلِه، تبيّن لي بواسطة البُعد المنظوري أن الشاعر مُتجه من بغداد الى المتاهة، سالكاً الطريق الوحيدة المُفضية، أيام الحصار، والمحنة السوداء، الى المُدن المُنهَكة في المنافي النائية.
تشكيل الصورة الشعرية
توحي أغلب الصور الشعرية في قصائد الجابري وكأنها مرسومة بريشة فنان ماهر. ولو تأملنا في قصيدة " تخطيط أولي لمساء الشاعر " التي إستهل بها مجموعته الشعرية لوجدناه يستعير ريشة الرسّام وهو يصوِّر المساءَ " مُقعياً على أربع يُنجب أيتامه " وفضلاً عن " أنْسنة " المساء الذي " يقلِّب كفيه ذات اليمين وذات الخواء " نرى الوطن الذي " ترعف الريحُ أحزانه " ثم تنتهي القصيدة بسؤال مفجع مفاده " هل ستكفيك عشر أصابع / تحصي بها ندباً / في ظهور ملائكة ذابلين.". سأستعير من د. صلاح نيازي توصيفه النقدي عن " التركيبة الأوبرالية " التي تنطبق الى حد ما على بعض القصائد السومرية. ويمكن تتبع هذه التركيبة الأوبرالية في قصائد الجابري منفردة ومجتمعة على حد سواء. فثمة تمهيد يستهل به نصه الشعري كي لا يفاجئ السامع أو القارئ بالحدث الجلل دفعة واحدة. وهذا التمهيد يشبه البداية في فن القصة القصيرة. ثم يبدأ الجيَشان حينما تصل الثيمة الى ذروتها، وأخيراً تبدأ " الآريا " أو " التصويتة " بالمفهوم الأوبرالي، وهي التي تقوم مقام الخاتمة في البنية الأرسطية لأي جنس أدبي. ومما يعزز رأينا القائل بالتركيبة الأوبرالية في بعض قصائد الجابري أنها تراجيدية في مجملها، أو لنقل أنها درامية في الأقل، ومحتفية بعناصر الشد والجذب، والتوتر والإسترخاء اللذين يتوفران في أي عمل درامي. ففي قصيدة " تخطيط أولي. . " سنعرف سلفاً أن هناك أيتاماً، وأن هناك مدىً رسمْنا على ظله وطناً، وأن هناك شاعراً قد لا تكفيه أصابعه العشر لعدِّ الندوب الموشومة على ظهور ملائكة العراق الذابلين ". هذا التمهيد يهيئ قارئ النص أو سامعه للفحوى الدرامي، وما ينطوي عليه النص من أبعاد تراجيدية محزنة. وحتى قصيدته المعنونة " فالنتاين " والمدبًّجة لمناسبة " يوم الحُب " في 14 فبراير " شباط " من كل عام لا تخلُ من ذكر الحروب، والألوان الحمراء، الى جانب العصفور، والعش، والقرط، والشرفة، والقميص، والشال الذهبي. فكل شيء أحمر قانياً بما فيه عيون الأمهات، ونشرة الأخبار، والشفق القرمزي " أحمرٌ..... كل ما حولنا / فلا تحزني..../ ثمة أنت...... وأنا..../ وترابٌ أحمر..../ تلوذ به / وردةٌ ....حمراء تنتظر ارتعاش يدي / وشحوب......الرصاص." وقبل أن ننتقل الى قصيدتي " عابر وطن " و " بلاد تضيق بأهلها " لنعزز منحاها المنظوري، ونحدد زاوية النظر التي يقف عندها الشاعر بوصفه " عابر سبيل " لكنه تلاعب في صياغة العبارة الواقعية، مُضفياً إليها بعداً مجازياً جميلاً ليصبح هو مجرد " عابر وطن " لا غير! قبل أن ننتقل الى هاتين القصيدتين لا بد لنا أن نشير الى المَلَكة اللغوية العميقة للجابري، وقدرته على نحت صياغات جديدة مُستحدَثة من مفردات وعبارات مألوفة، بحيث تنسجم مع طبيعة النص الشعري الذي يكتبه أذكر منها، تمثيلاً لا حصراً، " ذات الشمال " التي أصبحت " ذات الخواء " و " الأسلاك الشائكة " صارت " شائخة " فيما تحولت عبارة " ضيق ذات اليد " الى " ضيق ذات اللغة ". كما تجدر الإشارة الى براعته في " ثنائية الأنسنة والجمْدنة " كأن " يجعِّد جلد البرتقالة " مؤنسناً إياها، بينما " يُجمْدن " " شُرُفات العين " في مكان آخر. تشكِّل قصيدة " عابر وطن " من وجهة نظرنا بؤرة للنصوص الشعرية، والمدار الذي تتمحور حولة الثيمات الدرامية الأُخَرْ. فالشاعر، أو الكائن السيري في هذه السيرة الذاتية- الشعرية لا بد له أن يعبر جسراً لكي يحيلنا الى " فاجعة جسر الشهداء " متسائلاً في الوقت ذاته: " كم جسراً يلزمنا للشهداء..؟" وحينما يجتاز الفرات لا بد أن " تنغرس قدماه في رماد النهر " فالفجيعة واحدة في كل البلاد التي تعض على جرحها منذ ثلاث حروب. ليس المهم من أين يهرب الشاعر، أو الى أين ينتهي به المطاف؟ فالغربة واحدة " والمنفى مهنة شاقة " بتعبير محمود درويش، لكن مكمن الغرابة في هذا النص الدرامي أن " المرأة التي تقطعّت بها سبل الضوء، مضت تبحث عن النار في رماد أبنائها! ". وربما تكون قصيدة " بلاد تضيق بأهلها " أنموذجاً محزِناً للتيه العراقي يدحض ما قاله الشاعر عمر بن الأهتم " لعمرك ما ضاقت بلاد بأهلها / ولكن أحلام الرجال تضيقُ " فنحن فعلاً " بلا أمهات / نكبر ../ ثم نلقي السلام على الشرطي الأخير/ىونخترع المراكب / والبحر / والقبطان / نسرج ما تبقى من الخيول الهزيلة / ونبتعث مدنا مهادنة. " فلقد مللنا دوي القنابل، وأزيز الرصاص، وسئمنا من " تحية العلم " التي تبدأ بـ " لاحتْ رؤوس الحراب ". فلا غرابة أن نحمل خارطة الوطن ونمضي صوب المنافي النائيات حيث تواجهنا دهشة السؤال المر " أيها الناجون من بلاكم. . / الى أين المفر؟ ". نستخلص من هذه القراءة النقدية أن الشاعر الجابري قد إتخذ من نفسه أنموذجاً للكائن التائه، المنفي، الذي شابَ منه الشراع، " وهو يبحر مثل جذع يتيم " في عُباب بحر الحياة القُلَّب. ويمكن تسميته بالكائن " الضَلُول " أو الضليل الذي جار عن الطريق، ولم يهتدِ بعلامات دالّة ترشده الى يقينه. فالخروج من بلاد النهرين يقترن باليأس، والمتاهة دائماً، والحنين الأبدي لهدهدة الأم، ورائحة المنزل، وعبق الذكريات القديمة على مرارتها، لذلك يُختصر المنفى بغرفة محكمة الإغلاق، يُطل الشاعر من خلال نافذتها الوحيدة " ذات الستارة السميكة، والزجاج المظلَل، والشبك المعدني " على العالم، لكنه لا يعرف كيف يومئ للعابرين؟ ولا يعرف إن كان هو باقٍ على قيد اليقين؟ ولا يعرف كيف ستصعد روحه الى بارئها خلل الزجاج المظلل والغبار الكثيف؟ بقي أن نقول إن ما يميز أسلوب الشاعر هو بلاغته، وكثافته، وعمق مفردته المجازية وكأنه يتسقطر عسل الكلام على رغمٍ من هيمنة الحس التراجيدي الذي يغلِّف مجمل نصوصه الشعرية التي تترجح بين ثنائية الوطن القرمزي والمنفى الرمادي.
القدس العربي
- ___________________________
عدنان حسين أحمد
تحتاج التجربة الشعرية لعبود الجابري الى معاينة خاصة لأكثر من سبب. فهو شاعر متأنٍ من جهة، ولا أريد أن أقول مٌقلاً في كتابة نصوصه الشعرية، لأن الشِعرَ هاجسه الأول والأخير مذ عرفته في عمّان في نهاية النصف الأول من تسعينات القرن الماضي. كما أنه ينتمي الى جيل " الحرب والشَتات " من جهة أخرى. وقد شهد شعراء هذا الجيل المُحبَط نزوحاً جماعياً غير مسبوق عبر منْفذٍ واحد وهو الأردن الذي كان يشكِّل لهم " نقطة إستراحة " سوف تفضي لاحقاً بأغلب الأدباء العراقيين الى مصائرهم المتقاطعة المجهولة. غير أن الجابري آثرَ البقاء في عمّان مُستجيباً لشروط " الإقامة العاطفية " بعد أن منَّ الله عليه بزوجة نبيلة قررت أن تشدّه الى عمّان بخمسة أولاد، تاركة إياه " يفهرس أخطاءه " كيفما يشاء. وقد طبعت الحرب بصماتها على مجمل تجربته الشعرية بحيث لم ينجُ من أسارها إلا نزر قليل من القصائد التي وجدت طريقها الى غابة الأسئلة الوجودية المؤرِّقة، الأمر الذي أضفى على قصائده بُعداً فلسفياً مقروناً بصور شعرية جذابة ذات حلاوة وطلاوة لا تخطئهما الأذن المدربة.
تستدعي شعرية الجابري التي نضجت على نار هادئة طوال عقدين أو يزيد بوصلة ما تُدل الناقد الى الجهة التي يمضي إليها الشاعر، فلا بد من هدف ما يروم الوصول إليه، حتى وإن كان هذا الهدف سراباً أو متاهة، أو حلماً بعيد المنال. ومن خلال قراءتي المتواضعة لهذه المجموعة الشعرية التي تتألف من " 25 " قصيدة ألبسها الشاعر لبوس " الأخطاء المُقتَرفة " من قِبَلِه، تبيّن لي بواسطة البُعد المنظوري أن الشاعر مُتجه من بغداد الى المتاهة، سالكاً الطريق الوحيدة المُفضية، أيام الحصار، والمحنة السوداء، الى المُدن المُنهَكة في المنافي النائية.
تشكيل الصورة الشعرية
توحي أغلب الصور الشعرية في قصائد الجابري وكأنها مرسومة بريشة فنان ماهر. ولو تأملنا في قصيدة " تخطيط أولي لمساء الشاعر " التي إستهل بها مجموعته الشعرية لوجدناه يستعير ريشة الرسّام وهو يصوِّر المساءَ " مُقعياً على أربع يُنجب أيتامه " وفضلاً عن " أنْسنة " المساء الذي " يقلِّب كفيه ذات اليمين وذات الخواء " نرى الوطن الذي " ترعف الريحُ أحزانه " ثم تنتهي القصيدة بسؤال مفجع مفاده " هل ستكفيك عشر أصابع / تحصي بها ندباً / في ظهور ملائكة ذابلين.". سأستعير من د. صلاح نيازي توصيفه النقدي عن " التركيبة الأوبرالية " التي تنطبق الى حد ما على بعض القصائد السومرية. ويمكن تتبع هذه التركيبة الأوبرالية في قصائد الجابري منفردة ومجتمعة على حد سواء. فثمة تمهيد يستهل به نصه الشعري كي لا يفاجئ السامع أو القارئ بالحدث الجلل دفعة واحدة. وهذا التمهيد يشبه البداية في فن القصة القصيرة. ثم يبدأ الجيَشان حينما تصل الثيمة الى ذروتها، وأخيراً تبدأ " الآريا " أو " التصويتة " بالمفهوم الأوبرالي، وهي التي تقوم مقام الخاتمة في البنية الأرسطية لأي جنس أدبي. ومما يعزز رأينا القائل بالتركيبة الأوبرالية في بعض قصائد الجابري أنها تراجيدية في مجملها، أو لنقل أنها درامية في الأقل، ومحتفية بعناصر الشد والجذب، والتوتر والإسترخاء اللذين يتوفران في أي عمل درامي. ففي قصيدة " تخطيط أولي. . " سنعرف سلفاً أن هناك أيتاماً، وأن هناك مدىً رسمْنا على ظله وطناً، وأن هناك شاعراً قد لا تكفيه أصابعه العشر لعدِّ الندوب الموشومة على ظهور ملائكة العراق الذابلين ". هذا التمهيد يهيئ قارئ النص أو سامعه للفحوى الدرامي، وما ينطوي عليه النص من أبعاد تراجيدية محزنة. وحتى قصيدته المعنونة " فالنتاين " والمدبًّجة لمناسبة " يوم الحُب " في 14 فبراير " شباط " من كل عام لا تخلُ من ذكر الحروب، والألوان الحمراء، الى جانب العصفور، والعش، والقرط، والشرفة، والقميص، والشال الذهبي. فكل شيء أحمر قانياً بما فيه عيون الأمهات، ونشرة الأخبار، والشفق القرمزي " أحمرٌ..... كل ما حولنا / فلا تحزني..../ ثمة أنت...... وأنا..../ وترابٌ أحمر..../ تلوذ به / وردةٌ ....حمراء تنتظر ارتعاش يدي / وشحوب......الرصاص." وقبل أن ننتقل الى قصيدتي " عابر وطن " و " بلاد تضيق بأهلها " لنعزز منحاها المنظوري، ونحدد زاوية النظر التي يقف عندها الشاعر بوصفه " عابر سبيل " لكنه تلاعب في صياغة العبارة الواقعية، مُضفياً إليها بعداً مجازياً جميلاً ليصبح هو مجرد " عابر وطن " لا غير! قبل أن ننتقل الى هاتين القصيدتين لا بد لنا أن نشير الى المَلَكة اللغوية العميقة للجابري، وقدرته على نحت صياغات جديدة مُستحدَثة من مفردات وعبارات مألوفة، بحيث تنسجم مع طبيعة النص الشعري الذي يكتبه أذكر منها، تمثيلاً لا حصراً، " ذات الشمال " التي أصبحت " ذات الخواء " و " الأسلاك الشائكة " صارت " شائخة " فيما تحولت عبارة " ضيق ذات اليد " الى " ضيق ذات اللغة ". كما تجدر الإشارة الى براعته في " ثنائية الأنسنة والجمْدنة " كأن " يجعِّد جلد البرتقالة " مؤنسناً إياها، بينما " يُجمْدن " " شُرُفات العين " في مكان آخر. تشكِّل قصيدة " عابر وطن " من وجهة نظرنا بؤرة للنصوص الشعرية، والمدار الذي تتمحور حولة الثيمات الدرامية الأُخَرْ. فالشاعر، أو الكائن السيري في هذه السيرة الذاتية- الشعرية لا بد له أن يعبر جسراً لكي يحيلنا الى " فاجعة جسر الشهداء " متسائلاً في الوقت ذاته: " كم جسراً يلزمنا للشهداء..؟" وحينما يجتاز الفرات لا بد أن " تنغرس قدماه في رماد النهر " فالفجيعة واحدة في كل البلاد التي تعض على جرحها منذ ثلاث حروب. ليس المهم من أين يهرب الشاعر، أو الى أين ينتهي به المطاف؟ فالغربة واحدة " والمنفى مهنة شاقة " بتعبير محمود درويش، لكن مكمن الغرابة في هذا النص الدرامي أن " المرأة التي تقطعّت بها سبل الضوء، مضت تبحث عن النار في رماد أبنائها! ". وربما تكون قصيدة " بلاد تضيق بأهلها " أنموذجاً محزِناً للتيه العراقي يدحض ما قاله الشاعر عمر بن الأهتم " لعمرك ما ضاقت بلاد بأهلها / ولكن أحلام الرجال تضيقُ " فنحن فعلاً " بلا أمهات / نكبر ../ ثم نلقي السلام على الشرطي الأخير/ىونخترع المراكب / والبحر / والقبطان / نسرج ما تبقى من الخيول الهزيلة / ونبتعث مدنا مهادنة. " فلقد مللنا دوي القنابل، وأزيز الرصاص، وسئمنا من " تحية العلم " التي تبدأ بـ " لاحتْ رؤوس الحراب ". فلا غرابة أن نحمل خارطة الوطن ونمضي صوب المنافي النائيات حيث تواجهنا دهشة السؤال المر " أيها الناجون من بلاكم. . / الى أين المفر؟ ". نستخلص من هذه القراءة النقدية أن الشاعر الجابري قد إتخذ من نفسه أنموذجاً للكائن التائه، المنفي، الذي شابَ منه الشراع، " وهو يبحر مثل جذع يتيم " في عُباب بحر الحياة القُلَّب. ويمكن تسميته بالكائن " الضَلُول " أو الضليل الذي جار عن الطريق، ولم يهتدِ بعلامات دالّة ترشده الى يقينه. فالخروج من بلاد النهرين يقترن باليأس، والمتاهة دائماً، والحنين الأبدي لهدهدة الأم، ورائحة المنزل، وعبق الذكريات القديمة على مرارتها، لذلك يُختصر المنفى بغرفة محكمة الإغلاق، يُطل الشاعر من خلال نافذتها الوحيدة " ذات الستارة السميكة، والزجاج المظلَل، والشبك المعدني " على العالم، لكنه لا يعرف كيف يومئ للعابرين؟ ولا يعرف إن كان هو باقٍ على قيد اليقين؟ ولا يعرف كيف ستصعد روحه الى بارئها خلل الزجاج المظلل والغبار الكثيف؟ بقي أن نقول إن ما يميز أسلوب الشاعر هو بلاغته، وكثافته، وعمق مفردته المجازية وكأنه يتسقطر عسل الكلام على رغمٍ من هيمنة الحس التراجيدي الذي يغلِّف مجمل نصوصه الشعرية التي تترجح بين ثنائية الوطن القرمزي والمنفى الرمادي.
القدس العربي
عبود الجابري: عابر وطن يفهرس الأخطاء
عبود الجابري: عابر وطن يفهرس الأخطاء
هدية حسين
الى أين تمضي أيها الشاعر الرحالة الذي لا يكف عن اقتراف الخطايا في الكلام ؟ يحمل زاداً لا يغني من جوع ، وعصى لا تعرف خطى الطريق متوهماً أن يستدل بها التائهون ، يحمل خارطة لوطن نثر أحزانه على خرائط المدن الغريبة وفقد ملامحه ، يحمل تذكارات لأمهات أخذت الحروب أبنائهن ، يحمل جراحاً ويقعد على الأرصفة لعلّ أحداً يشتريها ، يزعق بالسؤال : الى أين المفر ؟ لا أغنية تستلّ من جسمك بقايا الندوب ، لا أم ّ تهدهد سنينك الشائخات ، لا أحد يأتي إليك من هناك . أيها الجوّال احمل عدّتك - هذه الأخطاء - التي فهرستها في كتاب وواصل تجوالك إذ لا عاصم لك أو لنا غير هذا الكلام المدبّج بالحنين ، الممهور بالشجن ، المغمور بشمس لا تشرق من الشرق . إنها خارطة متهرئة ، تماماً كما قلت على الصفحة الأربعين من كتابك الموسوم ( فهرس الأخطاء):
نحمل الخارطة المتهرئة
ونمضي
باتجاه كرة أرضية
جميع ما فيها ينثر علينا أسماله
والسؤال المعتق
بلسان عربي مبين
أيها الناجون من بلادكم..
أين المفر؟
**
منذ كم من السنين حملت المنافي ؟ منذ كم من السنين توسّدت المتاهة ؟ منذ كم وأنت تخترع مراكب الرحيل ؟ والرأس صار أبيض من ثلج الغربة ، وفهرسك يناسل الأخطاء ، وصوتك المشحون بمواويل الجنوب لا يسمعه أحد ، وتنكر خطاك الطرق المزحومة بالنساء ، منذ كم ، وكم ، وكم ؟ والأمهات يهدهدن الدللّول بعيداً عن مهود أطفالهن دون أن يدرين أنهم صاروا شيوخاً في أقاصي الدنيا ؟ بلا أمهات
نكبر..
ثم نلقي السلام على الشرطي الأخير
ونخترع المراكب
والبحر والقبطان
نسرج ما تبقى من الخيول الهزيلة ونبتعث مدناً مهادنة
ومواقيت صلاة
من ساعة معطلة في سماء بغداد
ليس لنا
سوى العمر الذي لا يأتيه النوم
من بين يديه
ولا من خلفه
نحمل ما دسسنا في جيوبنا
مما لم تأكل الهوام،
**
قصائدك ماهي إلاّ ( أسلاك شائكة ) ، ( على مشارف التأويل ) في ( بلاد تضيق بأهلها ) فتأخذهم ( المتاهة ) باحثين عن ( أسانيد مهملة ) وأمهات وشوارع تحمل أسماءهم أو تتحمّل وقع خطاهم ، حاملين ( صورة الأب ) الذي يقبع في غرفة المخزن الرطبة لعلّ ( احتمالات ) الأغاني القديمة تعود به الى هيبته الأولى . الى أين تمضي بتلك القصائد أيها الضلّيل الذي ينثر علينا رذاذ أخطائه وأحزانه ؟ لا جبل يعصمك من طوفان الحنين ، ولا نار تدفئ شتاءاتك الطويلة ، ولا وطن يتذكر وجهك ، أنت نفسك اعترفت على الصفحة 19 من فهرس الخطاء:
في الطريق الى وطني
ما تعوّدت أن أنتشي
ويغني سواي
كنت دوماً شهيداً
وكان الزمان صداي
**
ولم تكن أمك معك ، ولا الأصحاب ، ولا الأحباب ، ولا الدروب التي شهدت طفولتك ، ولا المدارس التي تنقّلت بينها حاملاً علامة فقرك الفارقة ، ولا زوارق دجلة ولا نواعير الفرات ، ولا الوطن الذي ( مدّ على الأفق جناحه ) ولم تلُح لك ( رؤوس الحراب ) ولم تُفتح لك نافذة ولا باب .. أنت وحدك تحمل وزر خطاياك وتمضي في السهو دونما دليل ، تلطمك رياح الحنين حتى تشيب خطاك على الطريق ، ولا بريق يضيء لك العتمات ، وتذوي رؤاك فلا ترى وجه أمك الموشوم بالحزن المعتق .. أنت وحدك يا سيد المتعبين من لا يتذكره أحد فالذاكرات احترقت مدوّناتها ، والأصدقاء رحلوا منذ زمن بعيد:
يسقط الأصدقاء القدامى
من جيوب المحبة
تحت ذريعة ضيق الوقت
يسقط الوطن من الخارطة تحت ذريعة النوم في المخابىء
والاحتفاظ بحق الرد في الوقت المناسب
يسقط المطر
بحجة نحول الريح
تسقط الأغاني..
على لسان الأخرس والشمس في عيون الأعمى
ونحن أيضاً
نسقط كل يوم في البئر ذاتها
ولا يتبعنا
سوى صدى أصواتنا
ونحن نهتف
يسقط ال ....
يسقط ال ....
يسقط يس ....
ي......
**
ترى ، هل كنت سادراً في الوهم أكثر مما يجب حين دوّنت الأخطاء حالماً بتصويبها حين تعود ؟ الى أين تمضي ؟ لم تعد مدينتك كما كنت تعرف وتقرأ بذاك الاتساع الحلمي ، لم تعد شابة تغوي العابرين ، لقد شاخت ، تقعّرت ، تحدّبت ، تصدّعت ، تجعّدت من كثرة الندوب ، ضاقت بأهلها وأصبحت مثل خرم الإبرة ، بينما أنت ما تزال تغزل في نأيك خيوط المحبة وفرحة اللقاء بخيوط هلامية . أنت لست أكثر من عابر وطن لا يره إلاّ في خاطر الذكريات يتوهم في الصدى صوتاً يدلّه على الطريق:
يعبر دجلة..
يده مروحة معلقة في كتفه
وعيناه تسيران على الماء
توقدان نار الأسماء المفجوعة بحروفها
ياه .. يا للموقد المقدس
فاقتنص شرارتك الأخيرة
وامض الى حيث يموت أسلافك من البرد
وحيث تموت أسراب النمل على خيط من العسل
المعلّق .. بين دجلة
وجسر الشهداء
كم جسراً يلزمنا للشهداء؟
****************
فهرس الأخطاء . شعر . عبود الجابري . أزمنة للنشر والتوزيع . عمّان.
الصباح الجديد
هدية حسين
الى أين تمضي أيها الشاعر الرحالة الذي لا يكف عن اقتراف الخطايا في الكلام ؟ يحمل زاداً لا يغني من جوع ، وعصى لا تعرف خطى الطريق متوهماً أن يستدل بها التائهون ، يحمل خارطة لوطن نثر أحزانه على خرائط المدن الغريبة وفقد ملامحه ، يحمل تذكارات لأمهات أخذت الحروب أبنائهن ، يحمل جراحاً ويقعد على الأرصفة لعلّ أحداً يشتريها ، يزعق بالسؤال : الى أين المفر ؟ لا أغنية تستلّ من جسمك بقايا الندوب ، لا أم ّ تهدهد سنينك الشائخات ، لا أحد يأتي إليك من هناك . أيها الجوّال احمل عدّتك - هذه الأخطاء - التي فهرستها في كتاب وواصل تجوالك إذ لا عاصم لك أو لنا غير هذا الكلام المدبّج بالحنين ، الممهور بالشجن ، المغمور بشمس لا تشرق من الشرق . إنها خارطة متهرئة ، تماماً كما قلت على الصفحة الأربعين من كتابك الموسوم ( فهرس الأخطاء):
نحمل الخارطة المتهرئة
ونمضي
باتجاه كرة أرضية
جميع ما فيها ينثر علينا أسماله
والسؤال المعتق
بلسان عربي مبين
أيها الناجون من بلادكم..
أين المفر؟
**
منذ كم من السنين حملت المنافي ؟ منذ كم من السنين توسّدت المتاهة ؟ منذ كم وأنت تخترع مراكب الرحيل ؟ والرأس صار أبيض من ثلج الغربة ، وفهرسك يناسل الأخطاء ، وصوتك المشحون بمواويل الجنوب لا يسمعه أحد ، وتنكر خطاك الطرق المزحومة بالنساء ، منذ كم ، وكم ، وكم ؟ والأمهات يهدهدن الدللّول بعيداً عن مهود أطفالهن دون أن يدرين أنهم صاروا شيوخاً في أقاصي الدنيا ؟ بلا أمهات
نكبر..
ثم نلقي السلام على الشرطي الأخير
ونخترع المراكب
والبحر والقبطان
نسرج ما تبقى من الخيول الهزيلة ونبتعث مدناً مهادنة
ومواقيت صلاة
من ساعة معطلة في سماء بغداد
ليس لنا
سوى العمر الذي لا يأتيه النوم
من بين يديه
ولا من خلفه
نحمل ما دسسنا في جيوبنا
مما لم تأكل الهوام،
**
قصائدك ماهي إلاّ ( أسلاك شائكة ) ، ( على مشارف التأويل ) في ( بلاد تضيق بأهلها ) فتأخذهم ( المتاهة ) باحثين عن ( أسانيد مهملة ) وأمهات وشوارع تحمل أسماءهم أو تتحمّل وقع خطاهم ، حاملين ( صورة الأب ) الذي يقبع في غرفة المخزن الرطبة لعلّ ( احتمالات ) الأغاني القديمة تعود به الى هيبته الأولى . الى أين تمضي بتلك القصائد أيها الضلّيل الذي ينثر علينا رذاذ أخطائه وأحزانه ؟ لا جبل يعصمك من طوفان الحنين ، ولا نار تدفئ شتاءاتك الطويلة ، ولا وطن يتذكر وجهك ، أنت نفسك اعترفت على الصفحة 19 من فهرس الخطاء:
في الطريق الى وطني
ما تعوّدت أن أنتشي
ويغني سواي
كنت دوماً شهيداً
وكان الزمان صداي
**
ولم تكن أمك معك ، ولا الأصحاب ، ولا الأحباب ، ولا الدروب التي شهدت طفولتك ، ولا المدارس التي تنقّلت بينها حاملاً علامة فقرك الفارقة ، ولا زوارق دجلة ولا نواعير الفرات ، ولا الوطن الذي ( مدّ على الأفق جناحه ) ولم تلُح لك ( رؤوس الحراب ) ولم تُفتح لك نافذة ولا باب .. أنت وحدك تحمل وزر خطاياك وتمضي في السهو دونما دليل ، تلطمك رياح الحنين حتى تشيب خطاك على الطريق ، ولا بريق يضيء لك العتمات ، وتذوي رؤاك فلا ترى وجه أمك الموشوم بالحزن المعتق .. أنت وحدك يا سيد المتعبين من لا يتذكره أحد فالذاكرات احترقت مدوّناتها ، والأصدقاء رحلوا منذ زمن بعيد:
يسقط الأصدقاء القدامى
من جيوب المحبة
تحت ذريعة ضيق الوقت
يسقط الوطن من الخارطة تحت ذريعة النوم في المخابىء
والاحتفاظ بحق الرد في الوقت المناسب
يسقط المطر
بحجة نحول الريح
تسقط الأغاني..
على لسان الأخرس والشمس في عيون الأعمى
ونحن أيضاً
نسقط كل يوم في البئر ذاتها
ولا يتبعنا
سوى صدى أصواتنا
ونحن نهتف
يسقط ال ....
يسقط ال ....
يسقط يس ....
ي......
**
ترى ، هل كنت سادراً في الوهم أكثر مما يجب حين دوّنت الأخطاء حالماً بتصويبها حين تعود ؟ الى أين تمضي ؟ لم تعد مدينتك كما كنت تعرف وتقرأ بذاك الاتساع الحلمي ، لم تعد شابة تغوي العابرين ، لقد شاخت ، تقعّرت ، تحدّبت ، تصدّعت ، تجعّدت من كثرة الندوب ، ضاقت بأهلها وأصبحت مثل خرم الإبرة ، بينما أنت ما تزال تغزل في نأيك خيوط المحبة وفرحة اللقاء بخيوط هلامية . أنت لست أكثر من عابر وطن لا يره إلاّ في خاطر الذكريات يتوهم في الصدى صوتاً يدلّه على الطريق:
يعبر دجلة..
يده مروحة معلقة في كتفه
وعيناه تسيران على الماء
توقدان نار الأسماء المفجوعة بحروفها
ياه .. يا للموقد المقدس
فاقتنص شرارتك الأخيرة
وامض الى حيث يموت أسلافك من البرد
وحيث تموت أسراب النمل على خيط من العسل
المعلّق .. بين دجلة
وجسر الشهداء
كم جسراً يلزمنا للشهداء؟
****************
فهرس الأخطاء . شعر . عبود الجابري . أزمنة للنشر والتوزيع . عمّان.
الصباح الجديد
الشاعر يفلسف الاخطاء النبيله بعنايه
الشاعر يفلسف الأخطاء النبيلة بعناية
__________________________________________________________
منذر عبد الحر
عن دار أزمنة للنشر والتوزيع في عمّان صدر للشاعر العراقي عبّود الجابري ديوان شعري جديد يحمل عنوان ( فهرس الأخطاء ) يضم ّ خمسا وعشرين قصيدة سبق للشاعر الجابري نشر بعضها في الصحف والمجلّات الأدبية , والشاعر عبّود الجابري مقيم في الأردن منذ أوائل تسعينات القرن الماضي , ويعدّ من أهدأ الشعراء العراقيين ومن أكثرهم زهدا بالأضواء والنشر , اضافة الى صدق همه الشعري وصفاء تجربته التي جعلت منه شاعرا متميّزا يمتلك صوته الخاص وتجربته الثرّة الغنيّة التي أنجبت في ما أنجبته قصائد الديوان الجديد الذي بين أيدينا , والفكرة التي انطلق الشاعر منها في اهاب هذا الديوان والمعتمدة على ( أنسنة ) الخطأ – اذا صح ّ التعبير – هي فكرة اعتبار هذا الخطأ اعترافا انسانيّا باذخ الحضور وهو يجسّد علاقة الفرد مع بيئته ومع تجربته ومع خلاصات حياته التي أطلقها بوح قصائده وهي التي تتميّز بموسيقى منسابة بحرفيّة عالية , ولغة صافية , ومفردات موحية معجونة بالغربة والألم والحياة المضمّدة , اضافة الى تمتّع هذه القصائد بتشكيل جماليّ يتّضح في عدم الاصغاء الى نسق ثابت في سياق القصيدة قد يكون هذا النسق مملا , لذلك يولّد الشاعر من قصيدته تشكيلات لها أسئلتها الخاصّة ودلالالتها التعبيريّة والفنيّة الهامّة من خلال بناء القصيدة بهندسة تتضح بالاطار العام المرسوم للنص ثمّ توليد الملحقات التي تمنح النص الشعريّ أبعادا مضافة , ونلاحظ ذلك في عدد من القصائد منها ( الضليل ) التي تقدّم لنا أنموذجا للقصيدة المركبة في شكلها حيث تتولد فيها الرؤية التي تستند على احاطة واعية بالشكل المقترح بعيدا عن الفذلكة والتكلّف والادعاء يقول الشاعر في قصيدة ( الضليل ) ص 10 :
" سترين على البعد ... نصف الشراع المهلهل
هل قلت نصف الشراع ... ؟
ولم أستطع مدّ أرجوحة في الهواء المعلّق بيني وبينك
هل كان بيني وبينك محض هواء ... ؟
رداء من الخز يستر عوراتنا
وتواريخ محمولة في الحقائب
لم أنتبه لقبائل شعرك , حين كتبت الليالي على جثّة اللوح
كنت وحيدا
وكانوا ......
........؟ !!!! "
ثم يطل الشاعر بعد مقطع مماثل ثري بالتعبير الشعري المبدع الى مفصل آخر من مفاصل بناء نصّه ويعطيه عنوانا ثانويا هو " سوانح من ضمن المتن " وهي عبارة عن جمل شعريّة تجسّد رؤى وأفكارا تخرج عن القصيدة لتدور في اطارها في معادلة فنيّة محكمة البناء والأداء الشعري .
وبعد هذه السوانح المركزة السريعة يطل علينا عنوان ثانوي جديد وهو استدراك يقول فيه الشاعر " :
لم أكن نائما عندما أذن الموت في بلدي
.. كنت أسعى لتأجيل قنبلة
تطفيء الروح في جسدي "
و بعد هذا الاستدراك الواخز ينهي الشاعر قصيدته بملحوظة جاء فيها : متن القصيدة محذوف لأسباب تتعلق بضيق ذات اللغة , وهو نوع من أنواع الايهام الفنّي الطريف المشاكس يحمل منحى جماليّا وتأويليا خاصّا .
ومن النقاط المضيئة التي تمتاز فيها قصائد " فهرس الأخطاء " استخدام الشاعر لجمل وتعابير مألوفة في سياقها العام , لكنه يكسرها بمؤدى تأويلي آخر عن طريق توجيهها لغويّا وبالتالي اعطاءها بعدا جماليا آخر مثل " يقلب كفّيه ذات اليمين ... وذات الخواء " ص 9 , أو " تسعين بين الصفاء ... وبين المرارة " من قصيدة " أمي " ص 23 , أو " أسلاك شائخة " عنوان قصيدة ص 28 , أو " أتسلّقه ... حلما ... حلما " ص 29 , أو " عابرو حياة " ص 43 , أو " أطلس حافل بتضاريس الحنين " ص 53 , أو " يسبلون متاعبهم " ص 56 , أو " عابر وطن " ص 57 , أو " منذ ثلاث حروب " ص 61 , أو " ناصية الليل " ص 64 , أو " أقود قطيع انكساراتي " ص 65 , أو " تعثّرت بفكرة " ص 68 ... الخ من المفردات التي تحرف اللغة عن دلالالتها المعروفة الى صياغات واستعارات شعريّة جديدة .
والجانب الآخر الذي يؤديه الجابري في ديوانه الجديد هو اطلاق العبارات المكتنزة الخارجة عن اطار سرديّة النص وهي عبارات حادة تفضي كلّ منها الى موضوع منفصل لغويّا واشاريا , لكنّه متصل في نسيج النص الذي ينتمي اليه فنّيا ., وحتى النقاط والفراغات التي اكتظت بها القصائد لها وقعها الخاص وتعبيرها الدال على الرؤية الشعرية الناضجة لدى الشاعر , يقول الشاعر في قصيدة " تماما كما حدث " – وهي قصيدة مركبة تبدأ بنسق سردي ثم تذهب الى التقطيع والعناوين الثانوية - , اذ تبدأ :
ما حدث لاحقا ...
أنه راح يجمع بقايا المدن المنهكة ... !!
خارج السور ...
يقفل أعضاءه
ويفتّش عن السماء ..
السماء التي لم يرها منذ زمن بعيد
فاتهم جسده بالانحناء
وعينيه بالعمى .
وبعد الانتهاء من هذا المقطع ذي الفضاء المعتم الحاد تخرج القصيدة الى عنوان ثانوي هو " في المنعطف الأول " يتضمن ومضة ترصد حالة صورية " :
رجل بذاكرة عارية
يثقب جيوب بنطاله بيديه ..
يتحسس الماضي
ثم يلوذ بخساراته "
وبعد هذه الومضة يضع الشاعر تحت عنوان آخر جديد هو " هكذا " الجمل المركزة التي أشرنا اليها ومنها " سيقلّم أظافره ليستغني عن مشطه الأدرد " .
فيما يجنح في نصّه الفنّي الى تبني أسلوب تشظّي الشكل في القصيدة الواحدة من خلال عنوان دال على هذا التشظي وهو " ملصقات " وهو عبارة عن مقطّعات شعريّة منفصلة أو قصائد قصيرة تتمثّل حالات انسانيّة والتقاطات حياتيّة طريفة وقد ضمّها الشاعر باطار مقترح هو " ملصقات " ومنه " نرجسيّة " :
لأن صوته ...
يشجيه في الحمّام
راح يحدّث الجلاس عن محاسن النظافة " .
أما قصيدة " أسانيد مهملة " ص 21 , فهي تبدأ بتضمين قرآنيّ نجح الشاعر فيه بالدخول الى أجواء قصيدة حادّة الخطاب لغة وموضوعا " :
سواء علينا .. أكنّا نقلّم أظفارنا ..أم نحك بها الريح
ليس لنا غير أنشوطة لاقتناص المواعيد "
أما قصيدتا " أمي " ص 23 , و"صورة الأب " ص 49 , فهما قصيدتان ذاتيّتان جميلتان تنسابان بلا تعرّجات أو تشكيل فنّي يخالف انسياب البوح والشجن , فقصيدة " أمي " أنشودة بوح ولوعة واصغاء كلّي لهذا الكائن الفذ – الأم – وهي تمثّل طمأنينة الدنيا في عالم متشابك من الاحباطات والخوف والقلق والارتباك الذي يعيشه كلّ منا في عالمه المخبوء في تراكض الزمن الغريب باتجاه المجهول المفزع , أما قصيدة " صورة الأب " فهي أقل أنينا لأنها تحمل أسئلة وذكريات وخطوات كبرى باتجاه عالمنا الذي نحياه .
وبعد فديوان الشاعر المبدع عبّود الجابري اضاء جديدة في خارطة الشعر العراقي الحيوي الحيّ , نبارك لصديقنا الجابري عليها ونتمنى له المزيد من الابداع والتألق .
جريدة الزمان
تشرين الثاني 2008
__________________________________________________________
منذر عبد الحر
عن دار أزمنة للنشر والتوزيع في عمّان صدر للشاعر العراقي عبّود الجابري ديوان شعري جديد يحمل عنوان ( فهرس الأخطاء ) يضم ّ خمسا وعشرين قصيدة سبق للشاعر الجابري نشر بعضها في الصحف والمجلّات الأدبية , والشاعر عبّود الجابري مقيم في الأردن منذ أوائل تسعينات القرن الماضي , ويعدّ من أهدأ الشعراء العراقيين ومن أكثرهم زهدا بالأضواء والنشر , اضافة الى صدق همه الشعري وصفاء تجربته التي جعلت منه شاعرا متميّزا يمتلك صوته الخاص وتجربته الثرّة الغنيّة التي أنجبت في ما أنجبته قصائد الديوان الجديد الذي بين أيدينا , والفكرة التي انطلق الشاعر منها في اهاب هذا الديوان والمعتمدة على ( أنسنة ) الخطأ – اذا صح ّ التعبير – هي فكرة اعتبار هذا الخطأ اعترافا انسانيّا باذخ الحضور وهو يجسّد علاقة الفرد مع بيئته ومع تجربته ومع خلاصات حياته التي أطلقها بوح قصائده وهي التي تتميّز بموسيقى منسابة بحرفيّة عالية , ولغة صافية , ومفردات موحية معجونة بالغربة والألم والحياة المضمّدة , اضافة الى تمتّع هذه القصائد بتشكيل جماليّ يتّضح في عدم الاصغاء الى نسق ثابت في سياق القصيدة قد يكون هذا النسق مملا , لذلك يولّد الشاعر من قصيدته تشكيلات لها أسئلتها الخاصّة ودلالالتها التعبيريّة والفنيّة الهامّة من خلال بناء القصيدة بهندسة تتضح بالاطار العام المرسوم للنص ثمّ توليد الملحقات التي تمنح النص الشعريّ أبعادا مضافة , ونلاحظ ذلك في عدد من القصائد منها ( الضليل ) التي تقدّم لنا أنموذجا للقصيدة المركبة في شكلها حيث تتولد فيها الرؤية التي تستند على احاطة واعية بالشكل المقترح بعيدا عن الفذلكة والتكلّف والادعاء يقول الشاعر في قصيدة ( الضليل ) ص 10 :
" سترين على البعد ... نصف الشراع المهلهل
هل قلت نصف الشراع ... ؟
ولم أستطع مدّ أرجوحة في الهواء المعلّق بيني وبينك
هل كان بيني وبينك محض هواء ... ؟
رداء من الخز يستر عوراتنا
وتواريخ محمولة في الحقائب
لم أنتبه لقبائل شعرك , حين كتبت الليالي على جثّة اللوح
كنت وحيدا
وكانوا ......
........؟ !!!! "
ثم يطل الشاعر بعد مقطع مماثل ثري بالتعبير الشعري المبدع الى مفصل آخر من مفاصل بناء نصّه ويعطيه عنوانا ثانويا هو " سوانح من ضمن المتن " وهي عبارة عن جمل شعريّة تجسّد رؤى وأفكارا تخرج عن القصيدة لتدور في اطارها في معادلة فنيّة محكمة البناء والأداء الشعري .
وبعد هذه السوانح المركزة السريعة يطل علينا عنوان ثانوي جديد وهو استدراك يقول فيه الشاعر " :
لم أكن نائما عندما أذن الموت في بلدي
.. كنت أسعى لتأجيل قنبلة
تطفيء الروح في جسدي "
و بعد هذا الاستدراك الواخز ينهي الشاعر قصيدته بملحوظة جاء فيها : متن القصيدة محذوف لأسباب تتعلق بضيق ذات اللغة , وهو نوع من أنواع الايهام الفنّي الطريف المشاكس يحمل منحى جماليّا وتأويليا خاصّا .
ومن النقاط المضيئة التي تمتاز فيها قصائد " فهرس الأخطاء " استخدام الشاعر لجمل وتعابير مألوفة في سياقها العام , لكنه يكسرها بمؤدى تأويلي آخر عن طريق توجيهها لغويّا وبالتالي اعطاءها بعدا جماليا آخر مثل " يقلب كفّيه ذات اليمين ... وذات الخواء " ص 9 , أو " تسعين بين الصفاء ... وبين المرارة " من قصيدة " أمي " ص 23 , أو " أسلاك شائخة " عنوان قصيدة ص 28 , أو " أتسلّقه ... حلما ... حلما " ص 29 , أو " عابرو حياة " ص 43 , أو " أطلس حافل بتضاريس الحنين " ص 53 , أو " يسبلون متاعبهم " ص 56 , أو " عابر وطن " ص 57 , أو " منذ ثلاث حروب " ص 61 , أو " ناصية الليل " ص 64 , أو " أقود قطيع انكساراتي " ص 65 , أو " تعثّرت بفكرة " ص 68 ... الخ من المفردات التي تحرف اللغة عن دلالالتها المعروفة الى صياغات واستعارات شعريّة جديدة .
والجانب الآخر الذي يؤديه الجابري في ديوانه الجديد هو اطلاق العبارات المكتنزة الخارجة عن اطار سرديّة النص وهي عبارات حادة تفضي كلّ منها الى موضوع منفصل لغويّا واشاريا , لكنّه متصل في نسيج النص الذي ينتمي اليه فنّيا ., وحتى النقاط والفراغات التي اكتظت بها القصائد لها وقعها الخاص وتعبيرها الدال على الرؤية الشعرية الناضجة لدى الشاعر , يقول الشاعر في قصيدة " تماما كما حدث " – وهي قصيدة مركبة تبدأ بنسق سردي ثم تذهب الى التقطيع والعناوين الثانوية - , اذ تبدأ :
ما حدث لاحقا ...
أنه راح يجمع بقايا المدن المنهكة ... !!
خارج السور ...
يقفل أعضاءه
ويفتّش عن السماء ..
السماء التي لم يرها منذ زمن بعيد
فاتهم جسده بالانحناء
وعينيه بالعمى .
وبعد الانتهاء من هذا المقطع ذي الفضاء المعتم الحاد تخرج القصيدة الى عنوان ثانوي هو " في المنعطف الأول " يتضمن ومضة ترصد حالة صورية " :
رجل بذاكرة عارية
يثقب جيوب بنطاله بيديه ..
يتحسس الماضي
ثم يلوذ بخساراته "
وبعد هذه الومضة يضع الشاعر تحت عنوان آخر جديد هو " هكذا " الجمل المركزة التي أشرنا اليها ومنها " سيقلّم أظافره ليستغني عن مشطه الأدرد " .
فيما يجنح في نصّه الفنّي الى تبني أسلوب تشظّي الشكل في القصيدة الواحدة من خلال عنوان دال على هذا التشظي وهو " ملصقات " وهو عبارة عن مقطّعات شعريّة منفصلة أو قصائد قصيرة تتمثّل حالات انسانيّة والتقاطات حياتيّة طريفة وقد ضمّها الشاعر باطار مقترح هو " ملصقات " ومنه " نرجسيّة " :
لأن صوته ...
يشجيه في الحمّام
راح يحدّث الجلاس عن محاسن النظافة " .
أما قصيدة " أسانيد مهملة " ص 21 , فهي تبدأ بتضمين قرآنيّ نجح الشاعر فيه بالدخول الى أجواء قصيدة حادّة الخطاب لغة وموضوعا " :
سواء علينا .. أكنّا نقلّم أظفارنا ..أم نحك بها الريح
ليس لنا غير أنشوطة لاقتناص المواعيد "
أما قصيدتا " أمي " ص 23 , و"صورة الأب " ص 49 , فهما قصيدتان ذاتيّتان جميلتان تنسابان بلا تعرّجات أو تشكيل فنّي يخالف انسياب البوح والشجن , فقصيدة " أمي " أنشودة بوح ولوعة واصغاء كلّي لهذا الكائن الفذ – الأم – وهي تمثّل طمأنينة الدنيا في عالم متشابك من الاحباطات والخوف والقلق والارتباك الذي يعيشه كلّ منا في عالمه المخبوء في تراكض الزمن الغريب باتجاه المجهول المفزع , أما قصيدة " صورة الأب " فهي أقل أنينا لأنها تحمل أسئلة وذكريات وخطوات كبرى باتجاه عالمنا الذي نحياه .
وبعد فديوان الشاعر المبدع عبّود الجابري اضاء جديدة في خارطة الشعر العراقي الحيوي الحيّ , نبارك لصديقنا الجابري عليها ونتمنى له المزيد من الابداع والتألق .
جريدة الزمان
تشرين الثاني 2008
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)